عرض سياسي يستحق أن يناقَش بالأرقام والالتزامات لا بالشعارات والأشخاص
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
من «صفر تسامح» مع الفساد إلى 100 ألف موهبة رقمية و2000 طبيب للمستعجلات ومخزون استراتيجي للغذاء والدواء والطاقة… يضع الأسرة والقدرة الشرائية والمرفق العمومي والسيادة في قلب التنافس
قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يبدو لي أن أهم ما يمكن أن يحدث للحياة السياسية المغربية ليس أن ترتفع حرارة السجال بين الأحزاب، ولا أن تتضاعف الخرجات والاتهامات والردود، وإنما أن ينتقل التنافس أخيراً إلى المكان الطبيعي الذي يفترض أن يوجد فيه: البرامج، والالتزامات، والأرقام، والاختيارات التي تعرض على المواطن ليقرر بينها.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يستحق البرنامج الانتخابي الذي قدمه حزب الاستقلال للفترة 2026-2031 تحت شعار «وطني.. مستقبلي» قراءة هادئة وإيجابية، ليس باعتباره وثيقة ينبغي التسليم بكل ما ورد فيها، وإنما لأنه يقدم عرضاً سياسياً واضح المعالم، موزعاً على خمسة محاور كبرى وإجراءات محددة، تشمل الأسرة والشباب ومحاربة الفساد والقدرة الشرائية والمرفق العمومي والسيادة الاستراتيجية.
* الانتخابات من أجل المنافسة على المستقبل بدل المنافسة على الخصوم
أول ما يحسب لهذا التوجه أنه يحاول إبعاد النقاش الانتخابي عن السجالات التي غالباً ما تستهلك الحملات دون أن تضيف شيئاً إلى حياة الناس؛ فقد أعلن الحزب أن المنافسة ينبغي أن تكون قانونية وأخلاقية ومسؤولة وقائمة على المشاريع والبرامج، وأن الحكم في النهاية للمواطن، وهي قاعدة لو التزمت بها مختلف الأحزاب لربح المغرب، قبل أن يربح هذا الحزب أو ذاك.
والإشارة إلى إخضاع ملفات المرشحين للجنة الأخلاقيات والسلوك، وإلزام المرشحين بميثاق يحكم سلوكهم قبل الحملة وأثناءها وبعدها، تستحق بدورها التنويه، لأن أزمة السياسة المغربية ليست فقط أزمة برامج، بل هي أيضاً أزمة ثقة في الأشخاص وفي معنى الالتزام السياسي نفسه.
ومهما يكن تقييمنا للأحزاب، فإن مجرد إدخال الأخلاق السياسية إلى مسطرة اختيار المرشحين ينبغي تشجيعه، على أمل أن يتحول من إجراء داخلي إلى ممارسة صارمة، وأن يكون الميثاق التزاماً حقيقياً لا وثيقة توقع قبل الانتخابات ثم توضع في الأرشيف بعد إعلان النتائج.
* الأسرة ليست رقماً انتخابياً… إنها نقطة البداية
يلفت الانتباه أن البرنامج يبدأ من الأسرة ومنظومة القيم، وأنه لا يكتفي بخطاب أخلاقي عام، بل يقترح إجراءات اجتماعية مباشرة، من بينها دعم المقبلين على الزواج بمبلغ يصل إلى خمسة آلاف درهم، وإحداث «منحة الانطلاقة الأسرية»، إلى جانب إجراءات لمواكبة الأسر وحماية الأطفال من المخاطر الرقمية ومساعدة الآباء والأمهات على التوفيق بين المسؤوليات المهنية والأسرية.
وقد يختلف الناس بشأن حجم الدعم أو طريقة صرفه أو مدى كفايته، وهذا طبيعي، لكن الإيجابي أن النقاش يصبح حول: كم سندعم الأسرة؟ وكيف؟ ومن سيستفيد؟ وما الأثر؟ بدل الاكتفاء بشعارات فضفاضة عن مكانة الأسرة.
* الشباب… من جمهور في المهرجانات إلى شريك في صناعة البرنامج
ومن أكثر عناصر البرنامج إثارة للاهتمام ما يرتبط بالشباب، حيث يقترح برنامج «آفاق» ألا يبقى أي شاب أو شابة خارج التعليم أو التكوين أو سوق الشغل أو المواكبة لأكثر من ستة أشهر، إلى جانب مشروع «100 ألف موهبة رقمية» لتأهيل الشباب في المهن الرقمية والعمل عن بعد والعمل الحر.
الأهم أن الحزب يقول إن إعداد ميثاقه الشبابي استغرق سنة وشارك فيه أكثر من 15 ألف شاب وشابة من مختلف مناطق المغرب، وإن أكثر من 12 تدبيراً وردت في البرنامج جاءت أصلاً من مقترحات الشباب، مع تصور لمنصة تسمح لهم بعرض مشاريعهم وأفكارهم، ولجنة مواطنة مفتوحة تضم 200 مواطن للمساهمة في تقييم السياسات الموجهة للشباب.
وهنا تصبح المشاركة السياسية أكثر معنى: ليس المطلوب أن يُطلب من الشاب التصفيق للحزب أو حمل شعاره، بل أن يجد أثر صوته واقتراحه داخل البرنامج والقرار.
* «صفر تسامح» مع الفساد… عبارة ستصبح قوية فقط عندما تتحول إلى قانون ومحاسبة
في المحور المتعلق بمحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، يطرح حزب الاستقلال مبدأ «صفر تسامح»، ويقترح إخراج قانون خاص بتضارب المصالح، وتقوية التصريح بالممتلكات ومحاربة الإثراء غير المشروع، وإعادة تنظيم الرخص والامتيازات، وتقوية دور مجلس المنافسة ومراجعة قواعد المنافسة والأسعار.
وهذا من أهم المحاور في نظري، لأن المغاربة لا يحتاجون فقط إلى زيادة الدخول، بل يحتاجون أيضاً إلى الاطمئنان إلى أن الفرص والثروة والصفقات والامتيازات لا توزع وفق القرب والنفوذ، وأن من يتولى المسؤولية لا يستطيع أن يجمع في اللحظة نفسها بين سلطة القرار والمصلحة الخاصة.
لكن هذا المحور بالذات سيكون من أكثر أجزاء البرنامج خضوعاً للاختبار؛ فمحاربة الفساد ليست خطاباً سهلاً، وعبارة «صفر تسامح» ترفع سقف الالتزام، ومن يرفع السقف عليه أن يقبل لاحقاً بأن يحاسَب على المسافة بين ما وعد به وما نفذه.
* القدرة الشرائية… الدخول إلى البيت المغربي من بابه الحقيقي
من الجيد أيضاً أن يعترف البرنامج بأن تحسين الأجور أو تخفيض بعض الضرائب لا يعني تلقائياً انتهاء أزمة القدرة الشرائية، مادامت الأسعار وهوامش الربح وكلفة السكن والخدمات تستنزف دخل الأسرة.
ويطرح الحزب في هذا الباب إحداث آلية وطنية لتتبع هوامش الربح في سلع العيش اليومي، والرفع التدريجي من الحد الأدنى للأجور والمعاشات، وإصلاح التقاعد، ووضع «عقد اجتماعي للخروج من الفقر»، إلى جانب آليات لتيسير تمويل السكن الأول للشباب والطبقة المتوسطة وتعبئة العقار العمومي لإنتاج سكن ميسر ومحاربة المضاربة.
هذه لغة أقرب إلى ما ينتظره المواطن؛ لأن السياسة بالنسبة إلى أسرة مغربية ليست نقاشاً نظرياً فقط، بل هي ثمن الخبز والخضر والكراء والنقل والعلاج والتمدرس، وما يتبقى من الأجر بعد مرور أيام قليلة من الشهر.
* المدرسة والمستشفى… إعادة الاعتبار للمرفق العمومي
ويحسب للبرنامج كذلك إصراره على وضع المدرسة والمستشفى العموميين في قلب ما يسميه «دولة الرعاية»، مع اقتراح تعميم فعلي ومجاني للتعليم الأولي للأطفال بين أربع وست سنوات، والسعي إلى توحيد الجودة بين الوسطين الحضري والقروي.
وفي الصحة، يقترح إحداث وكالة وطنية للمستعجلات ورقم وطني موحد وبروتوكول للفرز، إلى جانب تكوين 2000 طبيب متخصص في طب المستعجلات في أفق 2031.
وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأن الدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد النصوص والمراسيم، وإنما بما يحدث للمواطن عندما يدخل المستشفى العمومي، وبما يتعلمه الطفل فعلياً داخل المدرسة العمومية.
* السيادة لم تعد فقط حدوداً… إنها الماء والقمح والدواء والطاقة والسفن
أما المحور الذي أراه الأكثر استشرافاً للمستقبل، فهو توسيع مفهوم السيادة ليشمل الأمن المائي والغذائي والطاقي والدوائي والإنتاجي.
فالبرنامج يقترح قانوناً إطاراً للتخزين الاستراتيجي يضمن مخزوناً أدنى يصل إلى 90 يوماً من المحروقات، وأربعة أشهر من الحبوب الأساسية، وستة أشهر من الأدوية واللقاحات الحيوية، مع آليات للإنذار المبكر، وربط السياسة الفلاحية بالموارد المائية، ورفع المحتوى المحلي في مشاريع الطاقة العمومية إلى 50 في المائة في أفق 2031، وإحداث شركة وطنية للملاحة التجارية للمساهمة في تأمين نقل الواردات الاستراتيجية.
وهذا تطور مهم في التفكير السياسي؛ لأن الأزمات العالمية علمتنا أن الدولة التي لا تملك جزءاً من غذائها ودوائها وطاقة نقلها وقدرتها الصناعية، قد تجد نفسها قوية في زمن الاستقرار وهشة جداً عند أول اضطراب دولي.
* الإيجابية لا تعني منح شيك على بياض
إن الإشادة ببرنامج سياسي لا تعني تبنيه بالكامل، ولا تعني إعفاء أصحابه من الأسئلة الصعبة، بل العكس تماماً.
كلما كان البرنامج أكثر تحديداً، أصبح من حق المواطن أن يسأل: كم ستكلف هذه الالتزامات؟ من أين سيأتي التمويل؟ ما الجدول الزمني؟ ما المؤشرات التي سنقيس بها التنفيذ؟ وما الذي سيتحقق في السنة الأولى والثانية والثالثة؟
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الوثائق الانتخابية: أن تتحول بعد الانتخابات إلى عقد سياسي قابل للقياس والمحاسبة.
لذلك، أتمنى ألا يبقى برنامج حزب الاستقلال وحيداً في هذا المستوى من التفصيل، بل أن تقدم كل الأحزاب المغربية برامجها بالأرقام والمواعيد والالتزامات، وأن نرى خلال الأسابيع المقبلة تنافساً بين من يقدم أفضل حل للمدرسة، وأفضل تصور للمستشفى، وأقوى آلية لمحاربة الفساد، وأنجع سياسة للماء والشغل والسكن والأسعار.
* ليكن 23 شتنبر موعداً لاختيار المشاريع
قد نتفق مع حزب الاستقلال في بعض مقترحاته ونختلف معه في أخرى، لكن ما يستحق التنويه هو أن يقدم الحزب نفسه للناخب من خلال مشروع قابل للنقاش، وأن يطلب صوته على أساس ما يريد فعله بين 2026 و2031، لا فقط على أساس تاريخه أو أسماء مرشحيه أو خصوماته مع منافسيه.
وهذا بالضبط ما تحتاج إليه انتخابات 23 شتنبر: أن يصبح السؤال الذي يطرحه المواطن على كل حزب بسيطاً وصعباً في الوقت نفسه:
ماذا ستفعلون بالمغرب خلال السنوات الخمس المقبلة؟ وكيف ستفعلونه؟ وبأي مال؟ وفي أي أجل؟
فحين تجيب الأحزاب بالأرقام والبرامج، ويختار المواطن بينها بحرية، ثم يعود بعد الانتخابات ليحاسب الفائزين على ما وعدوا به، نكون قد انتقلنا خطوة حقيقية من سياسة الأشخاص إلى سياسة المشاريع، ومن زمن الوعود العابرة إلى زمن الالتزام والمحاسبة.
رئيسية 








الرئيسية 






