Quantcast
2026 أغسطس 4 - تم تعديله في [التاريخ]

قراءة في دلالات برقية الرئيس الأمريكي إلى جلالة الملك


قراءة في دلالات برقية الرئيس الأمريكي إلى جلالة الملك

لا تفصل سوى ست سنوات بين برقية التهنئة بعيد العرش التي بعث بها دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جلالة الملك محمد السادس -حفظه الله وأيده-، وبين المكالمة الهاتفية التي جرت يوم 10 ديسمبر من سنة 2020 بين الرئيس ترامب (خلال ولايته الأولى) وجلالة الملك -نصره الله-، والتي أبلغ فيها الرئيس ترامب جلالتَه اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء، ودعمها لمبادرة الحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية.

فهما حدثان ينطوي كلاهما على دلالات سياسية وسيادية، تعمقت أكثر وترسخت أكبر في برقية التهنئة بعيد العرش، التي تجاوزت الجاري به العمل في إطار الأعراف الدبلوماسية؛ بحيث ارتقت إلى مرتبة أعلى من مجرد برقية بروتوكولية، إلى وثيقة ذات قيمة عالية تجمع بين تثبيت التعهد، وتجديد الاعتراف، وتأكيد المساندة، وبين الإعلان الواضح عن تطور لافت في العلاقات بين الرباط وواشنطن، من شراكة استراتيجية استثنائية إلى تعاون مشترك في مجالات أشد حيوية وأقوى فعالية، تهم ضمان أمن منطقة الساحل الأفريقي.

لقد استهل الرئيس دونالد ترامب برقيته إلى جلالة الملك -رعاه الله- بالتأكيد على أن:

«الولايات المتحدة الأمريكية واضحة: نحن نعترف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وندعم المقترح المغربي للحكم الذاتي الجاد وذي المصداقية والواقعي، باعتباره الأساس الوحيد للتوصل إلى حل عادل ودائم».

ولم تكتف البرقية، التي لا نعدو الحقيقة إذا ما وصفناها بالتاريخية، بهذا التأكيد القوي والقاطع للموقف السيادي الذي اتخذته الولايات المتحدة إزاء قضية الصحراء المغربية، وإنما زادت توضيحاً لأبعاد هذا الموقف فقالت:

«أي مسار آخر من شأنه أن يطيل أمد الوضع القائم، وهو أمر غير مقبول، يجب أن ينتهي هذا النزاع الآن».

وهذا تأكيد جازم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي هي الأساس الوحيد -الذي لا أساس غيره- للتوصل إلى حل عادل ودائم. وينبغي أن نضع خطوطاً حمراء أمام العبارات التي اختيرت بدقة في صياغة هذه البرقية: "يجب أن ينتهي هذا النزاع الآن"، أي ليس في وقت قادم غير معلوم، وذلك في ظل تعهد الولايات المتحدة الأمريكية بمواصلة الدعم نحو إحراز تقدم لتحقيق هذا الهدف.

واستمراراً في تقوية هذا التوجه في السياسة الأمريكية تجاه المغرب، أكد الرئيس ترامب، في عبارات قوية وواضحة، أن:

«القيادة الحكيمة لجلالة الملك، أعز الله أمره، تشكل ركيزةً للاستقرار، وأن التزام المغرب المستمر بالعمل من أجل السلام ومكافحة التطرف وحماية الأمريكيين والمغاربة، بما في ذلك من خلال دوره المحوري في اتفاقيات آبراهام، يعكس شراكة ذات قيمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية».

وتقوية للإشادة بالقيادة الحكيمة لجلالة الملك -وفقه الله-، وتحقيقاً لهذه الغاية التي هي العمل من أجل السلام، ستعمل الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً معاً لضمان أمن منطقة الساحل.

إنه تطور حثيث في العلاقات الأمريكية المغربية، له أبعاد متعددة، ويهدف في جميع الأحوال إلى بناء السلام ومكافحة التطرف.

وبحكم أنها برقية ذات سقف عالٍ وعمق في المضمون وبُعد واسع الامتداد، فقد هدفت إلى تطوير الشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن لتشمل التعاون الاقتصادي في أبعاده المتعددة؛ حيث خاطب الرئيس ترامب في برقيته جلالة الملك -أدام الله عزه- بقوله:

«إن رؤيتكم للنمو تفتح آفاقاً للازدهار لشعبينا ولاقتصادينا».

ثم أضافت البرقية:

«لقد كلفت فِرَقي بالعمل من أجل تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية مع المغرب، بما في ذلك منطقة الصحراء الغربية».

واستطردت موضحةً أكثر:

«ستواصل التكنولوجيا والابتكار الأمريكيان الموثوق بهما العملَ باعتبارهما شريكين للمغرب في جميع القطاعات الاستراتيجية، لاسيما الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة والدفاع».

هذا الزخم القوي والمتصاعد الذي طبع برقية الرئيس الأمريكي إلى جلالة الملك -أعانه الله وسدد خطاه- هو الذي تجلى في العبارات الختامية ذات الدلالات القوية:

«معاً سنبني عهداً جديداً يضع مصالح شعبينا في المقام الأول».

وفي البرقية، فضلاً عما سبق، ربطٌ بين الأزمنة الثلاثة: الماضي، الحاضر، والمستقبل. فنحن نحتفل اليوم -يقول الرئيس ترامب- بمرور 250 عاماً من التاريخ الأمريكي والصداقة الدائمة مع المغرب، وهي علاقة صيغت على أساس الثقة والاحترام المتبادل.

ففي عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وهو الجد السابع لجلالة الملك محمد السادس -نصره الله-، اتخذ السلطان العلوي في تاريخ 20 ديسمبر سنة 1777 قراراً سمح بموجبه للسفن التجارية الأمريكية بدخول الموانئ المغربية، في خطوة عُدت أول اعتراف فعلي بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو الاعتراف الذي تبلور وتمت صياغته قانونياً في معاهدة السلام والصداقة التي وقُعت بمراكش في 20 ديسمبر سنة 1786.

وهكذا يجدد جلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- العلاقات المغربية الأمريكية، سيراً على نهج جده السلطان سيدي محمد بن عبد الله الذي حكم المغرب من 1757 إلى 1790؛ مسار تاريخي يمتد حوالي ثلاثة قرون لخدمة المصالح المشتركة للشعبين المغربي والأمريكي.
العلم


              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار