Quantcast
2026 أغسطس 21 - تم تعديله في [التاريخ]

قوانين على الورق حبيسة الجريدة الرسمية ورفوف الإدارات

قوانين تصدر باسم الدولة، واتفاقيات تُوقَّع، ومذكرات تُوجَّه إلى الإدارات… ثم يبدأ الامتحان الأصعب: من يضمن التنفيذ؟ ومن يحاسب على النسيان؟



*بقلم: بوشعيب حمراوي*

ليست قوة الدولة في كثرة القوانين التي تصدرها، ولا في عدد النصوص التي تنشرها بالجريدة الرسمية، ولا في حجم الترسانة التشريعية التي تستطيع أن تقدمها دليلًا على مواكبة التحولات الاجتماعية والبيئية والصحية والإدارية؛ وإنما تقاس قوة القانون، قبل كل شيء، بقدرته على مغادرة صفحات الجريدة الرسمية والنزول إلى الشارع، والدخول إلى الإدارة، والوصول إلى السوق والمقهى والطريق والجماعة الترابية، والتحول من كلمات وفصول ومواد وعقوبات إلى سلوك يومي يشعر المواطن بوجوده، ويحترمه المسؤول قبل المواطن، وتحرص الدولة على استمراره بالقوة نفسها التي صاحبت الإعلان عنه.

فأسهل المراحل، في كثير من الأحيان، هي صياغة القانون والتصويت عليه ونشره. أما المرحلة الأصعب فهي ما يأتي بعد ذلك: من سينفذ؟ ومن سيراقب؟ ومن سيحرر المخالفات؟ ومن سيوفر الموظفين والتجهيزات والميزانيات؟ ومن سيتأكد، بعد سنة أو خمس سنوات، من أن القانون ما يزال حيًا ولم يتحول إلى نص قديم لا يتذكره إلا الباحثون ورجال القانون؟ ومن سيحاسب الإدارة أو المؤسسة أو الجماعة التي لم تنفذ ما ألزمها به المشرع، أو نفذته في البداية ثم تركته يذبل تدريجيًا؟

إن المتأمل في عدد من القوانين المغربية يكتشف مفارقة تستحق أكثر من وقفة. فلدينا قوانين لم تكن ناقصة من حيث وضوح المنع ولا من حيث تحديد المخالفات والعقوبات، ومع ذلك لم تختف الظواهر التي جاءت لمحاربتها. ولدينا قوانين انطلقت الدولة في تطبيقها بقوة، حتى خُيّل للمواطن أن الظاهرة انتهت، ثم بدأت المراقبة تتراجع وعادت الممارسات القديمة من أبواب أخرى. ولدينا مقتضيات قانونية يعاد اكتشافها بين الحين والآخر من خلال حملة أمنية أو إدارية مؤقتة، فتتحول إلى حديث المواطنين لأيام قبل أن تعود إلى دائرة النسيان. ولدينا قوانين مرتبطة بحقوق أساسية للمواطن، أصدرت بشأنها الوزارات دوريات ومراسلات لتحديد الموظفين المكلفين بالتنفيذ، ومع ذلك قد يبقى المواطن نفسه حائرًا يبحث عن الشخص الذي يفترض أن يساعده على ممارسة ذلك الحق. ولدينا كذلك اتفاقيات وُقعت قبل سنوات وحددت العلاج والمسؤوليات والمتدخلين، ثم جاء قانون جديد ليعيد تنظيم الملف نفسه، بينما الأرضية التي كان يفترض أن تكون الاتفاقية السابقة قد أعدتها لم تكتمل بعد.

إننا لا نتحدث عن حالات معزولة أو قوانين مجهولة لا تمس حياة الناس.

نحن نتحدث عن القانون رقم 77.15، القاضي بمنع صنع الأكياس من مادة البلاستيك واستيرادها وتصديرها وتسويقها واستعمالها؛ القانون الذي عرفه المغاربة من خلال «زيرو ميكا»، قبل أن يكتشفوا، بعد سنوات، أن الأكياس الممنوعة لم تغادر كل الأسواق، وأننا أمام «زيرو تنزيل».

ونتحدث عن القانون رقم 15.91، المتعلق بمنع التدخين والإشهار والدعاية للتبغ في الأماكن العامة، وهو قانون عمره أكثر من ثلاثة عقود، بينما لا يزال غير المدخن في عدد من الفضاءات مجبرًا على استنشاق دخان غيره.

ونتحدث عن القانون رقم 52.05، المتعلق بمدونة السير على الطرق، ومرسومه التطبيقي رقم 2.10.420، وما يفرضان على الراجلين من استعمال الممرات المخصصة لهم وفق الشروط القانونية، بينما تتحول مخالفة الراجلين أحيانًا إلى حملة تظهر ثم تختفي.

ونتحدث كذلك عن القانون رقم 31.13، المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات؛ وهو ليس قانونًا ثانويًا، وإنما تنزيل لحق دستوري يفترض أن يجعل الإدارة أكثر انفتاحًا، وأن يخرج المعلومة العمومية من منطق الاحتكار إلى منطق الحق. ومع ذلك، ما زالت ممارسة هذا الحق عالقة، رغم أن القانون ألزم المؤسسات المعنية بتعيين أشخاص مكلفين بتلقي الطلبات، ورغم أن وزارة الداخلية ذهبت، بالنسبة إلى الجماعات الترابية، إلى حد مراسلة الولاة والعمال لحث الجماعات على تعيين موظف أو موظفين لهذه المهمة، على أن يكونوا مرتبين على الأقل في السلم العاشر أو ما يعادله.

ثم نجد أنفسنا اليوم أمام القانون رقم 19.25، المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها، وهو قانون حديث لا يجوز الحكم عليه مسبقًا بالفشل. لكن من حقنا أن نسأل، منذ البداية، عن الأرضية التي سيطبق فوقها، خصوصًا أن المغرب كان قد أبرم، منذ سنة 2019، اتفاقية إطار لمعالجة ظاهرة الكلاب والقطط الضالة، تقوم على الجمع والتعقيم والتلقيح والعلاج والتتبع، وكان يفترض أن تساهم السنوات السبع الماضية في إحداث المراكز وتوفير الأطباء والفرق والتجهيزات التي يحتاجها أي تطبيق جدي للقانون الجديد.

هذه الأمثلة مجتمعة تفتح أمامنا سؤالًا أكبر من كل قانون على حدة: هل مشكلتنا التشريعية اليوم هي نقص القوانين فعلًا، أم أننا أصبحنا في حاجة إلى قانون غير مكتوب يفرض احترام القوانين التي أصدرناها أصلًا؟

فالخطر لا يبدأ عندما يخالف فرد قانونًا؛ فكل المجتمعات تعرف المخالفات. الخطر يبدأ عندما تصبح المخالفة مألوفة، وعندما يعرف المواطن أن القانون موجود لكنه لا يتوقع تطبيقه، وعندما يتعلم أن بعض القوانين تنشط فقط أثناء الحملات، وأن بعض الممنوعات يمكن تجاوزها بمجرد انتهاء المراقبة، وأن بعض الحقوق تحتاج إلى وساطات رغم أنها مكتوبة بوضوح في النصوص، وأن بعض الاتفاقيات يمكن أن تعيش سنوات في الأرشيف دون أن يسأل أحد عن حصيلة تنفيذها.

عندها لا يعود الأمر مجرد ضعف في تنفيذ مادة قانونية، بل يتحول إلى مساس تدريجي بثقافة القانون نفسها.

فالمواطن الذي يرى «الميكا» تباع رغم قانون منعها، ويرى التدخين يمارس تحت لافتة «ممنوع التدخين»، ويرى الراجل يعبر من أي مكان طوال العام قبل أن يفاجأ ذات صباح بحملة مخالفات، ويقرأ أن المعلومة حق ثم لا يعرف إلى من يتوجه للحصول عليها، ويسمع منذ سنوات عن حلول علمية لمشكلة الحيوانات الضالة بينما الأعداد تستمر في الشوارع؛ هذا المواطن لن يسأل فقط: لماذا لم يُطبق هذا القانون أو ذاك؟ بل قد يبدأ في طرح السؤال الأخطر: ما قيمة القانون إذا لم يكن الجميع متأكدين من أنه سيطبق؟

ومن هنا يجب أن يبدأ النقاش الحقيقي. ليس من التشكيك في أهمية التشريع، ولا من الدعوة إلى تقليص القوانين، وإنما من الدفاع عن هيبة القانون نفسه. فمن حق الدولة أن تشرّع، ومن واجب المواطن أن يحترم، لكن بين الحق والواجب توجد مسؤولية ثالثة لا تقل أهمية: مسؤولية الدولة في ضمان أن كل قانون تقرره قابل للتنفيذ، وأن شروط تنفيذه أعدت مسبقًا، وأن مراقبته مستمرة، وأن من يتولى تطبيقه معروف، وأن من يعطله أو يهمله يخضع للمساءلة. لأن الجريدة الرسمية يجب أن تكون بوابة دخول القانون إلى الحياة، لا مكان إقامته الدائم.

ومن هنا يحق لنا أن نفتح ملفات هذه القوانين واحدًا واحدًا، لا بهدف تعداد أوجه الفشل، بل لفهم لماذا نجح بعضها في البداية ثم تراجع، ولماذا ظل بعضها ضعيف الحضور منذ صدوره، ولماذا يتحول بعضها إلى حملات موسمية، ولماذا توجد حقوق واضحة قانونًا ولا تزال ممارستها تحتاج إلى البحث عن الطريق المؤدي إليها، وكيف يمكن حماية القانون الجديد المتعلق بالحيوانات الضالة من أن يلتحق، بعد سنوات، بقائمة النصوص الجميلة التي سبقت الواقع بدل أن تغيره.

القانون 77.15… «الميكا» ممنوعة بقوة القانون وموجودة بقوة الواقع

نبدأ بأحد أشهر القوانين التي عرفها المغاربة، ليس برقمه بقدر ما عرفوه بالحملة التي رافقت تطبيقه: «زيرو ميكا».

يتعلق الأمر بالقانون رقم 77.15، القاضي بمنع صنع الأكياس من مادة البلاستيك واستيرادها وتصديرها وتسويقها واستعمالها، الذي دخل حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح يوليوز 2016، بعد أن رافقته تعبئة واسعة جعلت المواطن يشعر بأن المغرب قرر بالفعل القطع مع الأكياس البلاستيكية المحظورة.

ولم يكن القانون مجرد إعلان بيئي. فقد مُنع إنتاج الأكياس المعنية وتسويقها واستعمالها، وأُقرت مراقبة للوحدات الصناعية والتجارية، كما تمت مواكبة المقاولات التي كان عليها الانتقال إلى إنتاج البدائل. وأعلنت وزارة الصناعة، بعد سنتين من بدء التنفيذ، أن استعمال الأكياس المحظورة اختفى من الأسواق الكبرى والمتوسطة وتجارة القرب المهيكلة تقريبًا، وأن الطلب على البدائل ارتفع بشكل كبير.

وبلغة الأرقام، تكشف الحصيلة الرسمية آنذاك حجم الدولة التي تحركت لإنفاذ القانون: 682 ألفًا و467 عملية مراقبة، وضبط 89.9 طنًا من الأكياس على مستوى النقط الحدودية و757 طنًا داخل وحدات وورش سرية، وتسجيل 3826 مخالفة وإحالة محاضرها على النيابة العامة، مع صدور 757 حكمًا وغرامات بلغت حوالي خمسة ملايين درهم.

هذه الأرقام تقول شيئًا مهمًا: القانون لم يكن ميتًا منذ البداية. بل على العكس، طُبق بقوة وحقق نتائج.

لكنها تقول شيئًا آخر أكثر أهمية: وجود مئات الأطنان داخل ورش سرية وشبكات للتهريب كان إنذارًا مبكرًا بأن القضاء على «الميكا» يحتاج إلى مراقبة دائمة، وليس إلى حملة قوية في سنواتها الأولى فقط.

وبعد مرور ما يقارب عقدًا من الزمن على بدء المنع، ما زالت تقارير ميدانية تسجل استمرار الأكياس المحظورة داخل الأسواق والتجارة غير المهيكلة؛ بل إن وزارة الصناعة نفسها كانت قد أقرت، منذ السنوات الأولى، باستمرار تزويد هذه الأسواق من الشبكات السرية وشبكات التهريب.

وهنا يفرض الواقع السؤال الذي يفترض أن يكون محور تقييم هذا القانون: إذا كان صنع «الميكا» واستيرادها وتسويقها ممنوعًا، فمن أين تأتي كل هذه الأكياس التي تصل يوميًا إلى الباعة؟

لا يمكن اختزال تطبيق القانون في مطاردة بائع خضر أو بقال يعطي كيسًا لزبون. فالكيس لم ينبت داخل متجره. هناك من صنعه، ومن خزنه، ومن نقله، ومن وزعه، وربما شبكة كاملة سبقته قبل أن يصل إلى يد البائع.

لذلك، فإن المقياس الحقيقي لتطبيق القانون 77.15 ليس عدد الأكياس المحجوزة فقط، بل قدرة الدولة على تجفيف منابع تصنيعها السري وتهريبها وتوزيعها.

وهذه أول صورة من صور المشكلة التي نعالجها: قانون لم يبق على الورق، بل طُبق بقوة، ثم بدأ الواقع يستعيد تدريجيًا مساحات كان القانون قد انتزعها منه.

القانون 15.91… منع التدخين منذ أكثر من ثلاثين سنة والدخان ما زال يتحدى النص

الحالة الثانية أكثر إثارة للاستغراب، لأنها تتعلق بقانون قديم جدًا مقارنة بباقي النماذج. إنه القانون رقم 15.91، المتعلق بمنع التدخين والإشهار والدعاية للتبغ في الأماكن العامة، الصادر سنة 1995.

أي أننا نتحدث عن قانون تجاوز ثلاثين سنة من عمره. والدقة هنا ضرورية: عنوان القانون الرسمي لا يقول «منع التدخين في جميع الأماكن العامة»، بل يتحدث عن منعه في بعض الأماكن، وحدد خصوصًا المكاتب الإدارية المشتركة وقاعات الاجتماعات بالإدارات، والمستشفيات والمصحات والمراكز الصحية، ومؤسسات التربية والتعليم والتكوين، ووسائل النقل العمومي، وقاعات العروض وغيرها من الفضاءات المحددة قانونًا. كما أتاح للإدارة إمكانية توسيع المنع إلى أماكن أخرى إذا اقتضت الظروف الصحية ذلك.

والقانون لم يكتف بالمنع الأخلاقي أو الصحي، بل وضع عقوبة؛ إذ يعاقب الشخص الذي يضبط وهو يدخن في مكان يشمله المنع بغرامة تتراوح بين 10 و50 درهمًا.

لكن هنا تبدأ المفارقة. قانون عمره أكثر من ثلاثين سنة، والغرامة ما زالت بين عشرة وخمسين درهمًا، والمواطن يستطيع أن يشاهد التدخين في فضاءات جماعية مختلفة، بل وحتى في أماكن يفترض أن تكون نموذجًا لاحترام النص.

والأهم أن تقريرًا حديثًا للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، جرى عرض خلاصاته سنة 2026، سجل أن القانون أصبح في حاجة إلى التحيين، وأن المرسوم المتعلق بالتدابير اللازمة لتطبيق مقتضياته لم يصدر رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود، وأن النص لا يواكب مستجدات من قبيل السجائر الإلكترونية، فضلًا عن ضعف الغرامة الزجرية. كما أشار إلى أن القانون الحالي لا يتضمن منعًا صريحًا عامًا يشمل جميع المقاهي والمطاعم والفنادق بالصيغة التي يتصورها كثير من المواطنين.

وهذا يفسر جانبًا من الوضع الذي وصلنا إليه. فقد صدر القانون، لكنه لم يُستكمل بما يكفي من آليات التنفيذ. ثلاثون عامًا، وظل السؤال نفسه حاضرًا: من يراقب؟ ومن يحرر المخالفة؟ ومن يتحمل مسؤولية السماح بالتدخين؟ وكيف تطبق غرامة لم تعد قيمتها قادرة أصلًا على أداء وظيفة الردع؟

وفي يونيو 2025، كانت الصحافة ما تزال تكتب عن القانون بعنوان يكاد يلخص كل المشكلة: «ثلاثة عقود من الانتظار… قانون منع التدخين لا يزال خارج التطبيق»، فيما واصل البرلمان مناقشة مقترحات لتغييره وتتميمه.

وهنا لا نتحدث عن قانون فشل بعد سنة أو سنتين بسبب نقص الوسائل. نحن أمام نص استطاع أن يعيش ثلاثة عقود في المنظومة التشريعية، من دون أن يتحول بالقدر المطلوب إلى ثقافة يومية يشعر بها المدخن وغير المدخن وصاحب المؤسسة والمراقب.

وهذه صورة ثانية أكثر خطورة من الأولى: القانون موجود، والممنوع محدد، والعقوبة موجودة، لكن الحياة اليومية تجاوزته إلى درجة أن المخالفة أصبحت عند كثيرين هي الوضع الطبيعي، واحترام القانون هو الاستثناء.

مدونة السير 52.05… الراجل مطالب بالممر لكن المخالفة لا ينبغي أن تستيقظ فقط أثناء الحملات

أما ما يعرف شعبيًا بـ«قانون ممر الراجلين»، فمن الضروري أولًا تصحيح تسميته. لا يوجد قانون مستقل يحمل اسم «قانون منع قطع الطريق خارج ممر الراجلين»، وإنما يتعلق الأمر بمقتضيات واردة في القانون رقم 52.05، المتعلق بمدونة السير على الطرق، وفي النصوص التنظيمية الصادرة لتطبيقه.

فالمدونة لا تنظم سلوك السائقين وحدهم، وإنما تعتبر الراجل كذلك مستعملًا للطريق وتفرض عليه احترام قواعد محددة.

وتنص المادة 187 على معاقبة الراجل الذي يخالف قواعد السير المفروضة عليه بغرامة تتراوح بين 20 و50 درهمًا، في حين حددت المادة 219 مبلغ الغرامة التصالحية والجزافية الخاصة بالمخالفات المنصوص عليها في المادة 187 في 25 درهمًا. وهذا منصوص عليه صراحة في النص الرسمي لمدونة السير.

أما استعمال ممر الراجلين، فتنظمه كذلك القواعد التطبيقية للسير، التي تلزم الراجل باستعمال الممر المخصص عندما يوجد قريبًا منه وفق المسافة القانونية المقررة.

من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على هذا التوجه. فالعبور العشوائي للطرق يقتل. والراجل الذي يترك ممرًا آمنًا بجواره ويقتحم الطريق وسط السيارات يعرض حياته وحياة السائقين ومستعملي الطريق للخطر.

لكن المشكلة، مرة أخرى، توجد في كيفية التطبيق واستمراريته. فالمغاربة يتذكرون جيدًا كيف تحولت غرامة 25 درهمًا، في بعض الفترات، إلى حدث إعلامي وموضوع نقاش واسع، عندما شرعت المصالح في تحرير مخالفات للراجلين. ثم يخفت التطبيق، فتعود صور العبور العشوائي إلى الشوارع وكأن المادة القانونية دخلت في عطلة.

حتى في يوليوز 2025، ظل عدم احترام ممرات الراجلين، من السائقين والراجلين معًا، موضوع نقاش حول السلامة الطرقية، مع التذكير بالغرامة المقررة للراجل وبالعقوبات التي تطال السائق الذي لا يحترم أولوية المشاة.

وهنا يجب ألا نقع في خطأ تحميل المسؤولية كلها للمواطن الراجل.

إذا كانت الدولة تريد تطبيق هذا المقتضى كل يوم، فمن واجب الجماعات والسلطات المكلفة بالطريق أن توفر ممرات كافية، واضحة، مصبوغة باستمرار، مضاءة عند الضرورة، غير محتلة بالسيارات، مرتبطة بأرصفة صالحة للاستعمال، وموجودة في المواقع التي يحتاجها الناس فعلًا. فلا يجوز أن نقول للمواطن: «سر خمسين مترًا إلى الممر»، ثم نجد الممر ممحوًا أو سيارة متوقفة فوقه أو رصيفًا محتلًا. كما لا يمكن مطالبة الراجل باحترام ممر لا يحترمه السائق.

القانون علاقة متبادلة: الراجل يعبر من الممر، والسائق يبطئ ويتوقف ويحترم أولويته. أما أن نستحضر الراجل وحده مرة كل عدة سنوات ونطلب منه 25 درهمًا، ثم نعود إلى الفوضى، فذلك لا يبني سلامة طرقية.

إنه يبني قانون حملات. وهذا هو النموذج الثالث: قانون نافذ ومقتضيات قابلة للتطبيق، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى زر تشغله الإدارة في حملة ثم تطفئه بعد انتهائها.

القانون 31.13… المعلومة حق للمواطن وليست ملكًا للإدارة

الحالة الرابعة تختلف كليًا عن «الميكا» والتدخين وممرات الراجلين، لأنها لا تتعلق بمنع سلوك، وإنما بمنح حق.

إنه القانون رقم 31.13، المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، الصادر تنفيذًا للفصل 27 من الدستور.

ومضمون القانون في جوهره بالغ الأهمية: للمواطنات والمواطنين، وفق شروطه، الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. كما يسمح للأجانب المقيمين بالمغرب بصفة قانونية بممارسة هذا الحق وفق الضوابط القانونية.

لكن القانون ذهب أبعد من مجرد القول: من أراد المعلومة فليطلبها. فهو يقوم أيضًا على النشر الاستباقي. ومعنى ذلك أن الإدارة مطالبة بنشر قدر مهم من المعلومات من تلقاء نفسها، وبوسائل النشر المتاحة، خصوصًا المواقع والبوابات الإلكترونية، دون أن تنتظر أن يطرق المواطن الباب في كل مرة.

وهذه نقطة مركزية في فلسفة القانون؛ لأن الإدارة الحديثة ليست خزنة سرية للوثائق. والمعلومة العمومية ليست ملكًا شخصيًا لرئيس المؤسسة أو المدير أو الموظف. والصحافي ليس مضطرًا إلى بناء علاقات خاصة للحصول على معلومة يسمح القانون بنشرها، والجمعية ليست مطالبة بالتوسل، والمواطن لا ينبغي أن يشعر أنه يطلب صدقة عندما يسأل عن معلومة عمومية.

بل القانون يعكس العلاقة: الأصل هو الحق، والاستثناء هو الحجب عندما يجيزه القانون. وقد نصت المادة 12 على تعيين شخص أو أشخاص يتولون تلقي طلبات الحصول على المعلومات ودراستها وتقديم المعلومات المطلوبة، ومساعدة طالبها عند الاقتضاء. ومع ذلك، أظهرت تقييمات لتجربة التطبيق وجود إشكالات مرتبطة ببطء الاستجابة، ومحدودية النشر الاستباقي، وجودة بعض الأجوبة، ونقص المكلفين في بعض المؤسسات.

وهنا يمكن أن نسأل، بعد سنوات من دخول القانون حيز التطبيق، سؤالًا بسيطًا لأي إدارة أو مؤسسة عمومية: ما المعلومات التي تنشرونها استباقيًا تطبيقًا للقانون 31.13؟ ومن هو الشخص المكلف باستقبال الطلبات؟ وكم طلبًا توصلتم به؟ وكم طلبًا أجبتم عنه داخل الأجل؟

هذه هي الطريقة التي تقاس بها القوانين. ليس بأن نقول للمغاربة: عندكم حق في المعلومة، بل بأن نثبت لهم أنهم يستطيعون ممارسة هذا الحق.

بالجماعات الترابية… وزارة الداخلية وصلت إلى حد تحديد مستوى الموظف المكلف

وتأتي الجماعات الترابية باعتبارها نموذجًا بالغ الدلالة داخل التطبيق العام لهذا القانون، لأنها الإدارة الأقرب إلى المواطن، وهي التي تدبر يوميًا ملفات الشأن المحلي المرتبطة بالميزانيات والصفقات والتهيئة والخدمات والنظافة والطرق والممتلكات والاتفاقيات والمشاريع.

ولم تكتف وزارة الداخلية بالقول للجماعات: طبقوا القانون. فقد وجه وزير الداخلية، سنة 2020، دورية إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم يدعو فيها إلى تعيين مكلف أو مكلفين بتلقي طلبات الحصول على المعلومات داخل كل جماعة ترابية.

والأكثر دلالة أن الدورية حددت مستوى الموظف الذي ينبغي إسناد المهمة إليه، إذ دعت إلى اختيار موظف مرتب على الأقل في السلم العاشر للأجور أو ما يعادله، وعند تعذر ذلك يمكن اختيار موظف من أعلى درجة متوفرة بالجماعة. كما طالبت الجماعات بوضع برنامج سنوي لتدبير المعلومات وتحيينها وترتيبها وحفظها، ونشر المعلومات التي يشملها النشر الاستباقي.

ثم جاءت مراسلة أخرى تدعو الجماعات إلى إنشاء بريد إلكتروني مؤسساتي ووضعه رهن إشارة المواطنين لتسهيل ممارسة الحق في الحصول على المعلومات، مع مطالبة الولاة والعمال بالإشراف على العملية.

كما أعدت وزارة الداخلية دليلًا خاصًا بتدبير الحق في الحصول على المعلومات على مستوى الجماعات الترابية، بما يؤكد أن الموضوع لم يبق مجرد مادة في القانون، بل تمت محاولة تحويله إلى مسطرة إدارية واضحة.

ومع ذلك، يبقى الاختبار الميداني بسيطًا جدًا. فلندخل إلى مواقع جماعاتنا، أو مقراتها، ولنسأل:

من هو الموظف المكلف؟ ما اسمه؟ أين يوجد؟ ما عنوانه الإلكتروني؟

ما المعلومات التي نشرتها الجماعة استباقيًا؟ هل يمكن الاطلاع بسهولة على الوثائق الأساسية التي يسمح القانون بنشرها؟

وهنا تظهر المفارقة التي ربما تختصر الملف كله. سيكون من العبث أن يضطر المواطن إلى البحث طويلًا عن المعلومة التي تخبره بمن هو الموظف المكلف قانونًا بإعطائه المعلومة. فالمشكلة هنا ليست في غياب الدستور، ولا في غياب القانون، ولا في غياب الدورية، ولا حتى في غياب الدليل. المشكلة هي السؤال الأبسط والأصعب: هل وصل كل ذلك إلى المواطن؟

اتفاقية 2019… كان يفترض أن تهيئ الأرض قبل وصول القانون 19.25

أما ملف الحيوانات الضالة، فمن الخطأ أن نبدأ الحديث عنه من قانون غشت 2026 وحده.

فالمغرب سبق أن اختار، منذ 2019، مقاربة جديدة لمعالجة مشاكل الكلاب والقطط الضالة، في إطار اتفاقية جمعت وزارة الداخلية والقطاعات والمؤسسات المعنية والأطباء البياطرة، واعتمدت على مقاربة تقوم أساسًا على الجمع والتعقيم والتلقيح ضد داء السعار والعلاج والتتبع، بدل الاقتصار على الأساليب التقليدية.

ولهذا، فحين نتحدث اليوم عن القانون الجديد يجب أن نسأل أولًا: ماذا أنجز خلال السنوات السبع التي فصلت اتفاقية 2019 عن قانون 2026؟

الأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية نفسها تكشف أن البنية ما زالت في طور البناء قبل صدور القانون الجديد.

ففي سنة 2025، تحدث وزير الداخلية عن برنامج لإحداث 130 مكتبًا جماعيًا مشتركًا لحفظ الصحة لفائدة 1244 جماعة تنتمي إلى 53 إقليمًا، مع توفير 260 طبيبًا و260 ممرضًا و260 تقنيًا لحفظ الصحة و130 طبيبًا بيطريًا لتدبير المراكز المرتبطة بهذا البرنامج.

كما كانت الوزارة ما تزال تواكب جماعات لإحداث وتجهيز مراكز جمع وإيواء الحيوانات الضالة وتخصيص اعتمادات لهذه الغاية.

وهذه أرقام إيجابية من حيث وجود برنامج واستثمار عمومي، لكنها في الوقت نفسه تثبت أن البنية التي يحتاج إليها التطبيق الشامل لم تكن مكتملة بعد. والواقع الميداني ظل يكشف استمرار حملات جمع الكلاب الضالة داخل مدن مختلفة استجابة لشكايات السكان، ما يعني أن الظاهرة بقيت قائمة رغم مرور سنوات على إطلاق المقاربة الجديدة.

ومن هنا يصبح تقييم اتفاقية 2019 ضروريًا، لا لتصفية الحساب معها، وإنما للاستفادة منها.

كم مركزًا أُنجز؟ كم مركزًا يشتغل فعلًا؟ كم كلبًا عُقم سنويًا؟ كم حيوانًا لُقح؟ كم جماعة أصبح لديها طبيب بيطري؟ وكم جماعة ظلت عاجزة عن توفير شروط الرعاية والإيواء؟

لأن الاتفاقيات، مثل القوانين، لا تقاس بقوة توقيعاتها، بل بحصيلة تنفيذها.

القانون 19.25… نص قوي وصل قبل اكتمال جزء من الأرضية التي يحتاجها

وأخيرًا نصل إلى أحدث القوانين في هذا الملف: القانون رقم 19.25، المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7533 بتاريخ 10 غشت 2026، بموجب الظهير الشريف رقم 1.26.55 الصادر في 28 يوليوز 2026.

وهنا يجب الإنصاف منذ البداية. لا يجوز وضع القانون 19.25 اليوم في خانة القوانين «المنسية»، لأنه لم تمر على نشره سوى أيام. لكن يمكن، ويجب، وضعه منذ اليوم تحت مراقبة التنفيذ، حتى لا نعود بعد خمس أو عشر سنوات للحديث عنه بالطريقة نفسها التي نتحدث بها اليوم عن قوانين أخرى.

ومضمون القانون واسع جدًا. فهو يضع قواعد لحماية الحيوانات الضالة من الأمراض والتعذيب والإيذاء، وفي الوقت نفسه يضع آليات للوقاية من أخطارها وضبط تكاثرها وانتشارها. كما يلزم مالكي الحيوانات بالتصريح بها، وإعطائها رقمًا تعريفيًا، واتخاذ الاحتياطات اللازمة حتى لا تصبح شاردة في الفضاء العام.

أما المادة 13، فتضع على مراكز رعاية الحيوانات الضالة مسؤوليات ضخمة: رصد الحيوانات وجمعها ونقلها، واستقبالها وترقيمها وتقييم حالتها الصحية والسلوكية، وإطعامها وعلاجها وتلقيحها، واعتماد الأساليب العلمية للحد من تكاثرها، وإرجاع بعضها بعد التعقيم والتلقيح والترقيم، أو تسليمها لمن يرغب في رعايتها، مع إمكانية اللجوء إلى القتل الرحيم في الحالات التي حددها القانون وتحت إشراف طبيب بيطري.

والقانون ينص كذلك على أن مركز الجماعة يعمل تحت إشراف طبيب بيطري تابع لمكتب حفظ الصحة، وإذا لم يوجد، يمكن التعاقد مع طبيب بيطري من القطاع الخاص. كما يسمح للجماعات بالاستعانة بجمعيات المجتمع المدني وفق اتفاقيات وضوابط محددة.

لكن معظم الجماعات الترابية لا تتوفر على مراكز لإيواء الحيوانات الضالة، بل إن الكثير منها لا يتوفر على مكاتب حفظ صحة، وإن توفر فهو بدون موارد بشرية متخصصة.

ثم جاءت العقوبات قوية

فالقتل العمد أو تعذيب الحيوان الضال أو إيذاؤه يعاقب بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر، وغرامة من 5000 إلى 20 ألف درهم، أو بإحدى العقوبتين. وإحداث مركز غير مرخص يمكن أن تصل غرامته إلى 300 ألف درهم.

كما توجد غرامة من 500 إلى 2000 درهم على إيواء الحيوان الضال أو إطعامه أو علاجه في الفضاءات العامة خلافًا للمقتضيات القانونية، وغرامات أخرى على من يتسبب عمدًا في شرود حيوانه أو لا يلتزم بالتصريح والتعريف والتدابير الصحية.

وإذا كانت بعض الجماعات لا تتوفر على طبيب بيطري، فهل لديها الاعتمادات الكافية للتعاقد الدائم مع طبيب من القطاع الخاص؟

وماذا عن الجماعات الصغيرة والقروية؟

هذه الأسئلة ليست اعتراضًا على القانون، وإنما هي شرط لإنقاذه.

بل إن المشرع نفسه أقر ضمنيًا بأن التنفيذ يحتاج إلى بناء مؤسساتي وتنظيمي، إذ تنص المادة 55 على أن القانون يدخل حيز التنفيذ من تاريخ نشره، لكن الأحكام التي تستلزم نصوصًا تنظيمية لا تدخل حيز التنفيذ إلا ابتداءً من نشر تلك النصوص، ومنح أجلًا أقصاه سنتان لنشر النصوص التنظيمية اللازمة.

وهذه المادة ينبغي وضع خط أحمر تحتها؛ لأن أمام الدولة الآن مهلة لاختبار الجدية. هل ستصدر النصوص التنظيمية بسرعة؟ هل ستستكمل المراكز؟ هل سيتم إحداث وتأهيل مكاتب حفظ الصحة؟ هل سيتوفر الأطباء والعمال وسيارات الجمع والتجهيزات؟ هل ستنشأ قاعدة البيانات والمنصة الإلكترونية؟

وهل ستخصص اعتمادات لا تقتصر على بناء المركز، وإنما تشمل تكلفة تشغيله اليومية والدائمة؟

لأن بناء جدران مركز أمر سهل نسبيًا. لكن إطعام مئات الحيوانات وعلاجها وتلقيحها وتعقيمها وتنظيف فضاءاتها كل يوم، على امتداد سنوات، هو الامتحان الحقيقي.

ولهذا، فإن قانون 19.25 ليس اليوم مثالًا على قانون فشل تطبيقه.

إنه قانون يقف على خط الانطلاق، وخلفه تجربة اتفاقية 2019، وأمامه سنتان حاسمتان لاستكمال جزء مهم من بنيته التنظيمية.

والمطلوب ألا ننتظر سنة 2028 أو 2030 لكي نسأل أين وصل التنفيذ.

يجب أن يبدأ السؤال الآن؛ لأن أفضل طريقة لمنع قانون من أن يصبح حبرًا على ورق هي مراقبة تنفيذه منذ اليوم الأول، لا إحياء ذكراه بعد عشر سنوات.

بهذا أصبح لدينا، بعد التقديم، خمسة محاور قوية ومختلفة: قانون طُبق ثم عادت الظاهرة، وقانون ظل ضعيف التنفيذ ثلاثة عقود، ومقتضى مروري يطبق بصورة موسمية، وحق دستوري وقانوني يعاني تفاوت التنزيل، ثم اتفاقية سبقت قانون الحيوانات، وقانون جديد ما زال أمام امتحان التنفيذ.


              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار