العلم: شيماء اغنيوة
في خطوة تعكس حجم القلق المهني من التوجهات الاقتصادية الجديدة في قطاع الصيدلة بالمغرب، وجه الدكتور مصطفى لعروسي، رئيس المنظمة الدولية للصيدلة في إفريقيا (IOPA) ونائب رئيس المؤتمر الدولي للهيئات الصيدلانية الفرنكوفونية (CIOPF)، مراسلة إلى الهيئات المهنية المغربية كرد فعل مباشر على توصيات مجلس المنافسة المغربي المتعلقة بفتح رأس مال الصيدليات أمام المستثمرين غير الصيادلة، وهو ما اعتبره لعروسي مسا بجوهر النموذج الصيدلاني القائم.
وفي هذا السياق شدد لعروسي على أن مسألة ملكية الصيدلية تتجاوز كونها مجرد خيار اقتصادي بسيط، بل هي قضية تشتبك مع جوهر الفعل الصيدلاني ومكانة المهني في المنظومة الصحية. وأكد أن الصيدلية هي مؤسسة صحية للقرب وليست مجرد مقاولة تجارية تهدف بالأساس إلى تحقيق مردودية رأس المال المستثمر.
وحسب ذات المراسلة، فإن استقلالية الصيدلي في اتخاذ قراراته العلاجية، وتقديم المشورة، وتدبير المواد الحساسة، أو حتى ممارسة حقه في الرفض الأخلاقي لصرف دواء إذا رأى أن مصلحة المريض تقتضي ذلك، تظل رهينة بامتلاك الصيدلي لأداته المهنية بشكل كامل. ونبه لعروسي إلى أن دخول مستثمرين غرباء عن المهنة سيخلق خطر تبيعة هيكلية، حيث ستصبح القرارات الصحية خاضعة لإملاءات مالية ومحاسباتية، مما يضر بالمصلحة العليا للمريض.
ولتعزيز موقفه القانوني، استشهد رئيس (IOPA) بقرارات محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، وتحديدا الحكم الصادر في قضية هيئة صيادلة ولاية سارلاند في ألمانيا ، بتاريخ 19 مايو 2009. وأوضح أن المحكمة، رغم إقرارها بأن حصر الملكية على الصيادلة قد يبدو قيدا على الحريات الاقتصادية، إلا أنها اعتبرته إجراء مبررا لحماية الصحة العامة. فالمحكمة تقر صراحة بأن الصيدلية التي يديرها غير الصيدلي تحمل مخاطر حقيقية تتعلق بجودة وموثوقية صرف الدواء.
انتقلت المراسلة لتحليل الجانب التنظيمي، حيث اعتبرت أن النموذج الحالي يرتكز على ثلاثية مترابطة لا يمكن الفصل بينها: الملكية، المسؤولية الشخصية، والرقابة المهنية. ففي الوضع الحالي، يتحمل الصيدلي المالك بشكل مباشر كافة التبعات التأديبية، المدنية، والجنائية لممارسته، مما يضمن أقصى درجات الأخلاقيات المهنية.
وحذر لعروسي من أن نظام المساهمة الخارجية سيؤدي حتما إلى تمييع مراكز القرار وتشتيت المسؤوليات. هذا الوضع قد يضعف سلطة الهيئات المهنية (النقابات والمجالس) في مراقبة القطاع، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال السماح للمصالح الرأسمالية بأن تضعف التنظيم المهني الصارم.
لم تغفل المراسلة البعد الاجتماعي العميق الذي تلعبه الصيدلية المغربية، فهي تضمن استمرارية العلاجات، وتؤمن تغطية صحية في مناطق قد لا تكون مربحة اقتصاديا، بالإضافة إلى دورها اليومي في مرافقة المرضى المزمنين.
وجددت المنظمة الدولية للصيدلة في إفريقيا (IOPA) والمؤتمر الدولي للهيئات الصيدلانية الفرنكوفونية (CIOPF) تمسكهما بمبدإ الاستقلالية الرأسمالية والمهنية كصمام أمان وحيد للصحة العامة والاستقرار الاجتماعي. وأعلنت الهيئتان استعدادهما التام لتقديم الدعم المعنوي والاستراتيجي للمنظمات المغربية للدفاع عن نموذج صيدلاني يضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار مادي.
رئيسية 








الرئيسية 






