العلم - نهيلة البرهومي
يعيش المشهد المالي في المغرب على وقع مفارقة رقمية مثيرة، ففي الوقت الذي تتسارع فيه خطى المملكة نحو الرقمنة وتحديث البنيات التحتية المالية، كشفت البيانات الأخيرة عن هوة شاسعة بين "الامتلاك" و"الاستخدام". فرغم تجاوز عدد البطاقات البنكية المتداولة حاجز الـ 22 مليون بطاقة، إلا أن نحو 16 مليوناً منها تظل "خاملة" ولا تُستغل في عمليات الدفع والأداء، مقتصرة فقط على دور تقليدي وحيد يتمثل في سحب السيولة النقدية (الكاش) من الصرافات الآلية.
يعيش المشهد المالي في المغرب على وقع مفارقة رقمية مثيرة، ففي الوقت الذي تتسارع فيه خطى المملكة نحو الرقمنة وتحديث البنيات التحتية المالية، كشفت البيانات الأخيرة عن هوة شاسعة بين "الامتلاك" و"الاستخدام". فرغم تجاوز عدد البطاقات البنكية المتداولة حاجز الـ 22 مليون بطاقة، إلا أن نحو 16 مليوناً منها تظل "خاملة" ولا تُستغل في عمليات الدفع والأداء، مقتصرة فقط على دور تقليدي وحيد يتمثل في سحب السيولة النقدية (الكاش) من الصرافات الآلية.
وتُجمع التحليلات الاقتصادية على أن بقاء 16 مليون بطاقة بنكية خارج دورة الأداء الرقمي يرجع بالأساس إلى عوامل ثقافية ونفسية لدى المستهلك المغربي. ويأتي "التوجس الأمني" في مقدمة هذه الأسباب، حيث لا يزال شريحة واسعة من المواطنين يخشون القرصنة أو الاحتيال الإلكتروني.
بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب التحفيزات الواضحة وقبول التجار الصغار ("مول الحانوت") للسيولة النقدية فقط، يعزز من صدارة "الكاش" كملك للتعاملات اليومية، مما يجعل البطاقة البنكية مجرد وسيط للوصول إلى الأوراق النقدية بدلاً من أن تكون أداة للدفع المباشر.
هذا الوضع المتذبذب يطرح العديد من الأسئلة الجوهرية حول مستقبل الرقمنة والشمول المالي بالمملكة، من بينها هل الـ 16 مليون بطاقة بنكية "الخاملة" هي دليل على تعثر سياسات الرقمنة، أم أنها مجرد بنية تحتية نائمة تنتظر "صدمة تكنولوجية" لتبعث فيها الحياة؟ وكيف يمكن للتكنولوجيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، أن تتدخل لتفكيك شفرة الثقافة الاستهلاكية المغربية وتحويل البطاقة من "مفتاح للكاش" إلى محرك للأداء اليومي؟
في هذا الباب أكد أمين سامي، المحلل الاقتصادي والخبير الدولي في مجال التخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير للشركات والمؤسسات والاستراتيجيات التنموية، أن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكمن في محاكمة الوسائل التقنية، بل في فهم "سيكولوجية التغيير" وغياب الرؤية الاستراتيجية الحاضنة للاستخدام، مضيفا أن المغرب لم يعد يعاني من فجوة الولوج إلى البطاقة، بل من فجوة تحويل البطاقة إلى سلوك دفع يومي.
وأوضح سامي، في تصريح لـ"العلم": أن وجود حوالي 22.6 مليون بطاقة بنكية سنة 2024 يعني أن البنية البنكية انتشرت كميا، لكن الاستعمال ما زال منحازاً بقوة نحو السحب لا الأداء. واستحضر آخر إحصائيات بنك المغرب التي أكدت بدورها أن استعمال البطاقات ما يزال موجها أساسا نحو السحب النقدي، إذ مثلت عمليات السحب حوالي 86% من استعمالات البطاقات مقابل تراجع طفيف من 88% سنة 2023، وهو ما فسره الخبير الاقتصادي على أن البطاقة في ذهن جزء كبير من المواطن ليست "وسيلة أداء"، بل "مفتاحا للوصول إلى الكاش".
وأشار المتحدث، إلى أن القوانين موجودة نسبياً، من خلال قانون حماية المستهلك 31-08 الذي يمنح لبنك المغرب دورا في حماية زبناء المؤسسات البنكية، والقانون البنكي 103-12 لنظم مؤسسات الأداء وفتح المجال أمام فاعلين غير بنكيين لتقديم خدمات الأداء، لكن في المقابل "المواطن لا يحكم على القانون من نصه، بل من تجربته: هل استرجع ماله بسرعة عند الاحتيال؟ هل البنك وقف معه؟ هل التطبيق واضح؟ هل الرسوم مفهومة؟" وهو ما يخلق "نوعا من عدم الارتياح والثقة".
وشدد على أن القطاع البنكي أيضا يتحمل مسؤولية في هذه الأرقام، نظرا لأنه ولسنوات طويلة كان يعمل على بيع البطاقة كمنتج بنكي، لا كمنظومة قيمة. وبالتالي المواطن يدفع رسوما، والتاجر يخاف العمولة أو المراقبة أو تعقيد الجهاز، ولا أحد يقدم له حافزاً قوياً.
ونبه إلى أن الفجوة ليست موحدة وطنيا، فالمدن الكبرى التي تتوفر على سياحة، تجارة منظمة، مطاعم، فنادق ومنصات رقمية تتقدم أسرع. في المقابل، القرى، الأسواق الأسبوعية، النقل الصغير، الحرف، والتجارة الشعبية ما تزال داخل منطق الكاش، وهو ما يجعلنا أمام فجوة رقمية-ترابية.
وخلص إلى أن المغرب في حاجة للانتقال من "رقمنة الأداء" إلى هندسة اقتصاد أقل اعتماداً على الكاش عبر: تخفيض عمولات الأداء الصغير، تعويضات فورية عند الاحتيال وفق آجال واضحة، تحفيزات ضريبية للتجار الصغار، Cashback للمواطن، تعميم TPE منخفض الكلفة، تبسيط الأداء عبر الهاتف، وربط الدعم الاجتماعي والخدمات العمومية تدريجياً بالأداء الرقمي لا بالإكراه بل بالمكافأة.
رئيسية 








الرئيسية




