أسماء لمسردي
لم تعد أزمة السكن في إسبانيا مجرد ملف اجتماعي يرتبط بارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، بل تحولت إلى أزمة سياسية متكاملة، بعدما انتقلت تداعياتها من الشارع إلى البرلمان، وانتهت إلى إعلان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز إجراء انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نونبر المقبل، عقب رفض مجلس النواب تدبيرين حكوميين يتعلقان بالسكن.
وتكشف وتيرة ارتفاع الأسعار حجم الضغط الذي يعيشه السوق العقاري الإسباني؛ فقد ارتفعت أسعار المساكن بنسبة 12.2 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، فيما بلغت الزيادة السنوية في أسعار المساكن المستعملة 12.9 في المائة، بعدما ارتفعت الأسعار بنسبة 3.4 في المائة مقارنة بالربع السابق، وفق المعهد الوطني للإحصاء الإسباني.
غير أن الأزمة لا تختزل في أسعار العقارات، بل تمتد إلى القدرة الفعلية للأسر على تحمل كلفة السكن. فارتفاع الإيجارات جعل الاستقلال السكني أكثر صعوبة، خصوصا بالنسبة إلى الشباب والأسر ذات الدخل المحدود، بينما يتركز الضغط بصورة أكبر في المدن الكبرى والمناطق التي تعرف طلبا قويا بفعل النشاط الاقتصادي والسياحي.
وقد بلغ الغضب الاجتماعي مستوى جديدا في الثالث من أكتوبر، عندما خرجت احتجاجات في نحو 50 مدينة إسبانية للمطالبة بتدخل عاجل لمعالجة أزمة السكن. وفي مدريد، قدرت السلطات عدد المشاركين بنحو 70 ألف شخص. وجاءت هذه التعبئة في سياق تصاعد الاحتجاجات على خلفية صعوبة الحصول على سكن بأسعار يمكن تحملها، وقضية إخلاء امرأة تبلغ 87 عاما من مسكنها، وهي القضية التي اكتسبت حضورا رمزيا في الحراك الاحتجاجي.
ولم تتوقف التعبئة عند المظاهرات، إذ أعلنت أكبر نقابتين عماليتين في البلاد، اللجان العمالية (CCOO) والاتحاد العام للعمال (UGT)، اتفاقهما على تنظيم إضراب عام لمدة 24 ساعة خلال الخريف، احتجاجا على تفاقم أزمة السكن وارتفاع كلفة الإيجار، والمطالبة بأجور تتناسب بصورة أفضل مع تكاليف المعيشة. ولم يحدد موعد الإضراب بشكل نهائي، في انتظار استكمال المشاورات مع المنظمات الاجتماعية واتحاد المستأجرين وباقي الأطراف المعنية.
وفي قلب هذه الأزمة الاجتماعية، اصطدمت الحكومة بواقع سياسي أكثر تعقيدا. ففي الثاني من أكتوبر، رفض مجلس النواب مرسومين حكوميين مرتبطين بالسكن، في ضربة كشفت مرة أخرى صعوبة تمرير السياسات الكبرى في ظل وضع برلماني لا تتوفر فيه الحكومة على أغلبية مستقرة. وتضمن أحد التدبيرين إجراءات تتعلق بحماية المستأجرين والفئات الهشة وتنظيم بعض جوانب سوق السكن، فيما ارتبط الثاني باستقرار عقود الإيجار.
وهكذا وجدت الحكومة نفسها أمام مفارقة سياسية واضحة: ضغط اجتماعي متزايد يطالب بتدخل الدولة، مقابل صعوبة في تمرير التدابير التي تقترحها الحكومة داخل البرلمان. وقد زادت هذه الهزيمة من حدة النقاش حول قدرة حكومة سانشيز على الاستمرار في تنفيذ برنامجها في ظل تركيبة برلمانية متشعبة.
وكانت الحكومة قد حاولت في الأشهر الماضية تعزيز تدخلها في مجال السكن، إذ أقرت في أبريل خطة الدولة للسكن للفترة 2026-2030 بميزانية تبلغ 7 مليارات يورو، مع توجيه جزء كبير من التمويل إلى بناء واقتناء المساكن وإعادة تأهيل المخزون السكني ودعم الفئات والمناطق الأكثر حاجة. كما أعلنت إجراءات لتوسيع رصيد المساكن الموجهة للإيجار الميسر.
غير أن حجم البرامج الحكومية لم ينجح حتى الآن في إزالة الشعور المتنامي لدى قطاعات واسعة من الإسبان بأن أزمة السكن تتطور بوتيرة أسرع من قدرة السياسات العمومية على احتوائها. فالمواطن لا يقيس الأزمة بحجم الاعتمادات المرصودة فقط، وإنما بما إذا كان يستطيع العثور على مسكن يناسب دخله، أو الاستقلال عن أسرته، أو الاستمرار في دفع الإيجار دون أن يستهلك الجزء الأكبر من موارده.
ومع إعلان سانشيز إجراء الانتخابات في 29 نونبر، دخل ملف السكن مرحلة سياسية جديدة. فالحكومة تدافع عن توسيع السكن الميسر وحماية المستأجرين، بينما تركز قوى المعارضة على ضرورة زيادة العرض وتسريع البناء وتوفير مزيد من الأراضي والحوافز. وفي المقابل، ترفع النقابات وجمعيات المستأجرين سقف المطالب، داعية إلى تعزيز السكن العمومي وضبط الإيجارات وربط الأجور بارتفاع تكاليف المعيشة.
وهكذا لم يعد السؤال في إسبانيا مقتصرا على ارتفاع سعر المنزل أو الإيجار، بل أصبح سؤالا سياسيا واجتماعيا أوسع حول قدرة الدولة على ضمان السكن للأسر التي أصبحت تجد نفسها أمام سوق ترتفع أسعاره بوتيرة تفوق قدرتها على الأداء.
وتكمن المفارقة في أن السكن، الذي يفترض أن يكون أحد عناوين الاستقرار الاجتماعي، أصبح أحد مصادر التوتر السياسي في إسبانيا. فمن احتجاجات الشارع إلى تحركات النقابات، ومن الصراع داخل البرلمان إلى الدعوة لانتخابات مبكرة، تحول الملف خلال فترة قصيرة إلى قضية تتقاطع فيها القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية والسياسات العمومية والاستقرار السياسي.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبدو أن أزمة السكن لن تكون مجرد موضوع ضمن البرامج الانتخابية، بل أحد الملفات التي سيختبر من خلالها مدى قدرة القوى السياسية على تقديم إجابات قابلة للتنفيذ لمشكلة تمس الحياة اليومية لملايين الإسبان. فالغضب الذي خرج إلى الشارع لا يتعلق فقط بسعر العقار، وإنما بإحساس متزايد بأن امتلاك مسكن أو استئجاره أصبح أكثر صعوبة، وأن معالجة هذا الوضع تتطلب حلولا تتجاوز الإجراءات الظرفية إلى زيادة العرض وتعزيز السكن العمومي وتخفيف الضغط عن الأسر والمستأجرين.
لم تعد أزمة السكن في إسبانيا مجرد ملف اجتماعي يرتبط بارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، بل تحولت إلى أزمة سياسية متكاملة، بعدما انتقلت تداعياتها من الشارع إلى البرلمان، وانتهت إلى إعلان رئيس الحكومة بيدرو سانشيز إجراء انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نونبر المقبل، عقب رفض مجلس النواب تدبيرين حكوميين يتعلقان بالسكن.
وتكشف وتيرة ارتفاع الأسعار حجم الضغط الذي يعيشه السوق العقاري الإسباني؛ فقد ارتفعت أسعار المساكن بنسبة 12.2 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، فيما بلغت الزيادة السنوية في أسعار المساكن المستعملة 12.9 في المائة، بعدما ارتفعت الأسعار بنسبة 3.4 في المائة مقارنة بالربع السابق، وفق المعهد الوطني للإحصاء الإسباني.
غير أن الأزمة لا تختزل في أسعار العقارات، بل تمتد إلى القدرة الفعلية للأسر على تحمل كلفة السكن. فارتفاع الإيجارات جعل الاستقلال السكني أكثر صعوبة، خصوصا بالنسبة إلى الشباب والأسر ذات الدخل المحدود، بينما يتركز الضغط بصورة أكبر في المدن الكبرى والمناطق التي تعرف طلبا قويا بفعل النشاط الاقتصادي والسياحي.
وقد بلغ الغضب الاجتماعي مستوى جديدا في الثالث من أكتوبر، عندما خرجت احتجاجات في نحو 50 مدينة إسبانية للمطالبة بتدخل عاجل لمعالجة أزمة السكن. وفي مدريد، قدرت السلطات عدد المشاركين بنحو 70 ألف شخص. وجاءت هذه التعبئة في سياق تصاعد الاحتجاجات على خلفية صعوبة الحصول على سكن بأسعار يمكن تحملها، وقضية إخلاء امرأة تبلغ 87 عاما من مسكنها، وهي القضية التي اكتسبت حضورا رمزيا في الحراك الاحتجاجي.
ولم تتوقف التعبئة عند المظاهرات، إذ أعلنت أكبر نقابتين عماليتين في البلاد، اللجان العمالية (CCOO) والاتحاد العام للعمال (UGT)، اتفاقهما على تنظيم إضراب عام لمدة 24 ساعة خلال الخريف، احتجاجا على تفاقم أزمة السكن وارتفاع كلفة الإيجار، والمطالبة بأجور تتناسب بصورة أفضل مع تكاليف المعيشة. ولم يحدد موعد الإضراب بشكل نهائي، في انتظار استكمال المشاورات مع المنظمات الاجتماعية واتحاد المستأجرين وباقي الأطراف المعنية.
وفي قلب هذه الأزمة الاجتماعية، اصطدمت الحكومة بواقع سياسي أكثر تعقيدا. ففي الثاني من أكتوبر، رفض مجلس النواب مرسومين حكوميين مرتبطين بالسكن، في ضربة كشفت مرة أخرى صعوبة تمرير السياسات الكبرى في ظل وضع برلماني لا تتوفر فيه الحكومة على أغلبية مستقرة. وتضمن أحد التدبيرين إجراءات تتعلق بحماية المستأجرين والفئات الهشة وتنظيم بعض جوانب سوق السكن، فيما ارتبط الثاني باستقرار عقود الإيجار.
وهكذا وجدت الحكومة نفسها أمام مفارقة سياسية واضحة: ضغط اجتماعي متزايد يطالب بتدخل الدولة، مقابل صعوبة في تمرير التدابير التي تقترحها الحكومة داخل البرلمان. وقد زادت هذه الهزيمة من حدة النقاش حول قدرة حكومة سانشيز على الاستمرار في تنفيذ برنامجها في ظل تركيبة برلمانية متشعبة.
وكانت الحكومة قد حاولت في الأشهر الماضية تعزيز تدخلها في مجال السكن، إذ أقرت في أبريل خطة الدولة للسكن للفترة 2026-2030 بميزانية تبلغ 7 مليارات يورو، مع توجيه جزء كبير من التمويل إلى بناء واقتناء المساكن وإعادة تأهيل المخزون السكني ودعم الفئات والمناطق الأكثر حاجة. كما أعلنت إجراءات لتوسيع رصيد المساكن الموجهة للإيجار الميسر.
غير أن حجم البرامج الحكومية لم ينجح حتى الآن في إزالة الشعور المتنامي لدى قطاعات واسعة من الإسبان بأن أزمة السكن تتطور بوتيرة أسرع من قدرة السياسات العمومية على احتوائها. فالمواطن لا يقيس الأزمة بحجم الاعتمادات المرصودة فقط، وإنما بما إذا كان يستطيع العثور على مسكن يناسب دخله، أو الاستقلال عن أسرته، أو الاستمرار في دفع الإيجار دون أن يستهلك الجزء الأكبر من موارده.
ومع إعلان سانشيز إجراء الانتخابات في 29 نونبر، دخل ملف السكن مرحلة سياسية جديدة. فالحكومة تدافع عن توسيع السكن الميسر وحماية المستأجرين، بينما تركز قوى المعارضة على ضرورة زيادة العرض وتسريع البناء وتوفير مزيد من الأراضي والحوافز. وفي المقابل، ترفع النقابات وجمعيات المستأجرين سقف المطالب، داعية إلى تعزيز السكن العمومي وضبط الإيجارات وربط الأجور بارتفاع تكاليف المعيشة.
وهكذا لم يعد السؤال في إسبانيا مقتصرا على ارتفاع سعر المنزل أو الإيجار، بل أصبح سؤالا سياسيا واجتماعيا أوسع حول قدرة الدولة على ضمان السكن للأسر التي أصبحت تجد نفسها أمام سوق ترتفع أسعاره بوتيرة تفوق قدرتها على الأداء.
وتكمن المفارقة في أن السكن، الذي يفترض أن يكون أحد عناوين الاستقرار الاجتماعي، أصبح أحد مصادر التوتر السياسي في إسبانيا. فمن احتجاجات الشارع إلى تحركات النقابات، ومن الصراع داخل البرلمان إلى الدعوة لانتخابات مبكرة، تحول الملف خلال فترة قصيرة إلى قضية تتقاطع فيها القدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية والسياسات العمومية والاستقرار السياسي.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبدو أن أزمة السكن لن تكون مجرد موضوع ضمن البرامج الانتخابية، بل أحد الملفات التي سيختبر من خلالها مدى قدرة القوى السياسية على تقديم إجابات قابلة للتنفيذ لمشكلة تمس الحياة اليومية لملايين الإسبان. فالغضب الذي خرج إلى الشارع لا يتعلق فقط بسعر العقار، وإنما بإحساس متزايد بأن امتلاك مسكن أو استئجاره أصبح أكثر صعوبة، وأن معالجة هذا الوضع تتطلب حلولا تتجاوز الإجراءات الظرفية إلى زيادة العرض وتعزيز السكن العمومي وتخفيف الضغط عن الأسر والمستأجرين.
رئيسية 








الرئيسية


