العلم الإلكترونية - بوشعيب حمراوي
لم يعد الحديث عن المعرض الدولي للكتاب والنشر بالمغرب مجرد مناسبة احتفالية عابرة، ولا محطة موسمية للتباهي بالأرقام والوفود والندوات، بل أصبح مرآة حقيقية تعكس واقع القراءة، وحالة الكتاب، ومصير المؤلف، ومآل الثقافة الوطنية برمتها. فبعد نقل هذا المعرض من الدار البيضاء إلى العاصمة الإدارية والسياسية الرباط، التي توصف بعاصمة الثقافة المغربية. كان الأمل كبيراً في إحداث قفزة نوعية، تعيد للكتاب هيبته، وللقارئ شغفه، وللمؤلف مكانته. غير أن الواقع، بكل أسف، ما زال يراوح مكانه، بل ويطرح بإلحاح سؤالاً أكثر إزعاجاً: لمن نكتب؟
إن المتتبع لحركية المعرض، بعين ناقدة ومسؤولة، يكتشف أن جوهر الإشكال لا يكمن في عدد الأروقة أو كثافة البرامج، بل في ضعف الأثر الثقافي الحقيقي. فالقاعات والأروقة المخصصة للندوات الفكرية وحفلات التوقيع تعاني من عزوف واضح، كما تعاني من الانتقاء غير المنصف للوجوه الثقافية المختارة للاستفادة من إبداعاتها. انتقاءات لازالت تنشط بمبدأ الولاءات السياسية والحزبية والقرابة العائلية.
في مقابل إقبال لافت على فضاءات الاستهلاك السريع: كتب الطبخ، قصص الترفيه، وبعض المنتجات التجارية التي لا تمت بصلة لرسالة المعرض. و الكتب الدينية التي تسوقها شركات. بعضها لا يحترم المذهب السني المعتمد داخل المملكة المغربية. حيث كتب دينية للأطفال والكبار لمؤلفين أجانب. وهنا يبرز الخلل الجوهري. حيث تحول المعرض من فضاء للمعرفة إلى سوق موسمية عشوائية للعرض والاستهلاك. يساهم في توسيع دوائر الميوعة والتفاهة والسفاهة والسفالة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الاختلال يمتد إلى فلسفة التنظيم ذاتها. فالمعرض، الذي يفترض أن يكون منصة لدعم الكتاب والمؤلفين، ما زال عاجزاً عن توفير شروط حقيقية للتسويق الثقافي، أو مواكبة التحولات الرقمية التي غيرت سلوك القارئ في العالم. فلا حضور فعلي لجناح قوي للكتاب الرقمي، ولا برامج استراتيجية لتشجيع النشر الإلكتروني، ولا مبادرات جادة لربط الكاتب بالقارئ الجديد الذي يعيش داخل العوالم الرقمية . والمفروض أن يكون لهذا البلد مدونة رقمية، تقنن الولوج إلى العوالم الرقمية. وكيفية الاستفادة من خدماتها، وضمان الحماية من المحتويات الضارة التي احتلتها.
إن المسؤولين عن تنظيم هذا الحدث مطالبون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بإعادة النظر في الأهداف الحقيقية للمعرض. هل هو مجرد تظاهرة شكلية؟ أم مشروع ثقافي وطني يسوق لمملكة عريقة و شعب معطاء ؟. معرض يراد منها المساهمة في إعادة بناء علاقة المغاربة بالقراءة.الجواب واضح، لكنه يحتاج إلى شجاعة في القرار، وجرأة في الإصلاح تبدأ بإبعاد النظرة والتأثير السياسي والعائلي على القرارات الثقافية.
المعرض الدولي للطفولة والشباب ... مهزلة أخرى
وفي السياق ذاته، لا يمكن إغفال المفارقة الصادمة المرتبطة بما يسمى المعرض الدولي للطفولة والشباب، الذي تنظمه الوزارة الوصية بمدينة الدار البيضاء. هذا الفضاء، الذي يفترض أن يكون مدرسة مفتوحة لتربية الأجيال على حب القراءة، تحول بدوره إلى مجرد أروقة تجارية لبيع القصص المصورة والمنتجات البصرية، دون برامج تربوية حقيقية، أو ورشات تأطيرية، أو أنشطة توعوية تغرس القيم والمعرفة في نفوس الأطفال.
إننا أمام جيل يُترك وحيداً بين رفوف الاستهلاك الثقافي، دون توجيه أو تأطير، في وقت تتكالب عليه منصات التفاهة الرقمية، وتعيد تشكيل وعيه وفق معايير الإثارة والسطحية. وهنا تكمن الخطورة: ليس فقط في ضعف القراءة، بل في انحراف الذوق الفكري نفسه.
الكاتب المغربي يعيش عزلة مزدوجة
لقد أصبح الكاتب المغربي يعيش عزلة مزدوجة: عزلة داخل رفوف المكتبات، وعزلة داخل المنصات الرقمية التي لا تنصف الجودة بقدر ما تكافئ الإثارة. يكتب، ينشر، يوقع… ثم يعود إلى نفس السؤال المؤلم: من يقرأ؟ ومن يهتم؟ .
إن الأزمة، في عمقها، ليست أزمة كتاب فقط، بل أزمة منظومة كاملة: تعليم، إعلام، سياسات ثقافية، وغياب رؤية واضحة لتدبير الشأن الثقافي. فحين تغيب القراءة عن المدرسة، وتتحول وسائل الإعلام إلى منصات للفرجة، وتُترك منصات التواصل بدون تأطير، فإن المعرض الدولي للكتاب لن يكون سوى انعكاس طبيعي لهذا الاختلال.
قصور أداء المؤسسات الثقافية
المفروض في الوزارات الوصية على الثقافة والتعليم والشباب والرياضة، ومعها القطاعات المعنية بفئات ذوي الاحتياجات الخاصة، بكل مرافقها المركزية والجهوية والإقليمية والمحلية، وبما تتوفر عليه من أطر وموارد بشرية ووسائل لوجستيكية، أن تكون الحضن التربوي الأول للطفولة والشباب، وأن تضطلع بدور المربي والمعلم والمواكب والمحفز والداعم. وكان المنتظر منها أن تنزل إلى الميدان لاكتشاف المواهب والكفاءات في المدارس والأحياء ودور الشباب والفضاءات العمومية، وأن تفتح أمامها أبواب التكوين والتأطير والمصاحبة وصقل المهارات والدفع بها نحو العطاء والإبداع. لكن الواقع، بكل أسف، يكشف العكس؛ إذ يجد كثير من المبدعين والموهوبين أنفسهم تائهين بين الأبواب الموصدة، يطرقون مقرات هذه المرافق دون جدوى، فلا يجدون احتضاناً ولا توجيهاً ولا دعماً. والأمر نفسه يعيشه المؤلفين والكتاب، بمختلف أصناف إبداعاتهم، ممن توجد نسخ من مؤلفاتهم مودعة داخل المكتبة الوطنية، دون أن تبادر هذه المؤسسة إلى ربط الاتصال بهم لتنظيم حفلات تقديم وتوقيع ومناقشة لمحتوى أعمالهم، أو إلى إحداث رواق كبير قار داخل المعرض الدولي للكتاب يخصص سنوياً لبرمجة مواعيد ثابتة للتعريف بالإصدارات الجديدة ودعم أصحابها. أما المكتب المغربي لحقوق المؤلف، الذي يفترض أن يكون حصناً لحماية الإبداع وصيانة الحقوق المعنوية والمادية للمبدعين، فإنه ما يزال، في نظر الكثيرين، يغرد خارج السرب، منشغلاً بانتظار إعادة هيكلته وتقنين العمل داخله وفق القوانين المحدثة، بدل أن يكون مؤسسة مبادرة وفاعلة ومواكبة لتحولات المشهد الثقافي والإبداعي بالمغرب.
نداء صريح إلى المسؤولين عن هذا الحدث الوطني
أعيدوا تعريف المعرض كفضاء للتأثير لا للعرض فقط. أدمجوا الثقافة الرقمية كشريك لا كبديل. ادعموا الكاتب مادياً ومعنوياً، وواكبوا مسارات النشر والتوزيع.
أليس من الواجب والمفروض على إدارة المعرض، أن تنس مع إدارة المكتبة الوطنية من أجل تأكيد حضور ومشاركة كل الكتاب والمؤلفين الذين أصدروا كتب جديدة خلال السنة التي ينظم فيها المعرض الدولي للكتاب والمعرض الدولي للطفولة والشباب. وتأكيد توفر المعرض على نسخ من إصداراتهم من أجل تسويقها إعلاميا، وليس بالضرورة بيعها.
افتحوا المعرض أمام المدرسة والجامعة بشكل منظم و مؤطر. بناء عللا برامج معدة مسبقا مع باقي الوزارات. وليس مجرد أروقة تعرف تنظيم أنشطة عشوائية و(بلي جاب الله).
اجعلوا من فضاءات الأطفال والشباب مختبرات تربوية حقيقية، لا أسواقاً تجارية. إن المغرب، وهو يطمح إلى بناء نموذج تنموي جديد، لا يمكنه أن ينجح دون قاعدة ثقافية صلبة. ولا ثقافة بدون قراءة، ولا قراءة بدون كتاب، ولا كتاب بدون قارئ. وفي الأخير، يبقى السؤال معلقاً في عنق الجميع : هل نملك الشجاعة لإعادة الاعتبار للكتاب؟ أم سنواصل تنظيم معارض جميلة في الشكل فارغة في المضمون؟
رئيسية 








الرئيسية 





