واشنطن تتوعد الدول والبنوك والشركات التي تمنح طهران «شريان حياة».. وبكين في قلب المواجهة مع استحواذها على أكثر من 80% من صادرات النفط الإيراني
*العلم الإلكترونية ووكالات*
نقل الرئيس الأميركي دونالد ترامب المواجهة مع إيران إلى مرحلة جديدة، بإعلانه إطلاق ما وصفه بـ«أشد عملية اقتصادية سَحقًا تُتخذ ضد أي دولة»، متوعدًا بفرض عزلة غير مسبوقة على طهران ومعاقبة الدول والمؤسسات التي تستمر في تمويلها أو تمكينها من الوصول إلى التجارة العالمية.
وقال ترامب، في منشور على منصته «تروث سوشيال»، إن إيران أهدرت الفرص التي مُنحت لها للتوصل إلى اتفاق مع واشنطن، معلنًا بدء «حرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق»، ومحذرًا من أن أي دولة تقدم لطهران شريان حياة ماليًا ستواجه عواقب اقتصادية وصفها بالهائلة.
ولا تقتصر التهديدات الأميركية الجديدة على إيران وحدها، إذ تشمل، وفق ما أعلنه الرئيس الأميركي، الدول التي تسمح لبنوكها أو شركاتها أو مطاراتها أو مؤسساتها الحكومية بتقديم خدمات أو تسهيلات تساعد الاقتصاد الإيراني على مواصلة نشاطه.
وتفتح هذه الصيغة الباب أمام توسيع نطاق العقوبات الثانوية، التي تتيح لواشنطن معاقبة شركات ومؤسسات مالية أجنبية حتى إن لم تكن أميركية، بسبب استمرار تعاملها مع إيران أو مشاركتها في نقل نفطها وتمويل تجارتها.
ومن المنتظر أن تشمل الحملة شبكات تهريب النفط، والتحويلات المالية، ومكاتب الصرف، وتسجيل السفن والناقلات، والشركات الواجهة التي تتهمها واشنطن بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات.
غير أن الإعلان الأميركي لا يزال، إلى حدود الآن، إطارًا سياسيًا وتهديدًا واسعًا أكثر منه حزمة تنفيذية مكتملة، إذ لم تنشر الإدارة الأميركية بعد قائمة العقوبات الجديدة أو جدول تطبيقها أو الجهات المستهدفة بصورة مباشرة.
وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن بلاده تستعد لفرض «أقسى العقوبات في التاريخ» على إيران، موضحًا أنه سيعقد مؤتمرًا صحافيًا يوم الاثنين للكشف عن تفاصيل الإجراءات الجديدة وآليات تنفيذها.
وقال بيسنت إن دول العالم ستجد نفسها أمام الاختيار بين مواصلة التعامل مع إيران أو الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، في رسالة ترفع مستوى الضغط على حلفاء واشنطن وخصومها في الوقت نفسه.
وتبدو الصين في قلب المواجهة المقبلة، باعتبارها المستورد الأكبر للنفط الإيراني، إذ تستحوذ على أكثر من 80 في المائة من صادراته النفطية. وأي انتقال أميركي إلى فرض عقوبات مباشرة على المؤسسات الصينية المرتبطة بهذه التجارة قد يحول الضغط على طهران إلى مواجهة اقتصادية أوسع بين واشنطن وبكين.
وتطرح تهديدات ترامب أيضًا أسئلة بشأن قدرة الولايات المتحدة على فرض عزلة كاملة على إيران، التي بنت خلال سنوات العقوبات شبكة معقدة من الوسطاء والناقلات والشركات الواجهة وأساليب الدفع غير المباشر، بما سمح لها بمواصلة تصدير كميات من النفط رغم القيود الغربية.
وجاء الإعلان في ظل استمرار التوتر حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم، والذي كانت تعبره قبل اندلاع النزاع نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ما يجعل أي تشديد للحصار أو اضطراب في حركة الناقلات عاملًا مباشرًا في رفع الأسعار وزيادة المخاوف بشأن الإمدادات.
وسارعت أسواق الطاقة إلى التفاعل مع التصعيد، إذ ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنحو أربعة في المائة ليصل إلى 87.51 دولارًا للبرميل، فيما صعد خام برنت بأكثر من ثلاثة في المائة إلى 94.48 دولارًا، وفق بيانات تداول أوردتها تقارير مالية عقب إعلان ترامب.
وتكمن خطورة الحملة في أنها قد تمتد إلى ما هو أبعد من الاقتصاد الإيراني، لأن معاقبة الدول والشركات المتعاملة مع طهران يمكن أن تعطل مسارات التجارة والشحن والتأمين والتحويلات المالية، وتدفع أسعار النفط والنقل البحري إلى مزيد من الارتفاع.
وبالنسبة إلى المغرب، الذي يستورد جزءًا مهمًا من حاجياته الطاقية، فإن استمرار صعود أسعار النفط قد يضغط على فاتورة الطاقة وكلفة النقل وإنتاج عدد من السلع، بما قد ينتقل تدريجيًا إلى الأسعار الداخلية. ويظل ذلك احتمالًا مرتبطًا بمدة التصعيد وحجم اضطراب الإمدادات، وليس أثرًا محققًا حتى الآن.
وردت طهران على الإعلان الأميركي بوصف العقوبات المرتقبة بأنها شكل من أشكال «الإرهاب الاقتصادي»، معتبرة أن استهداف الاقتصاد والخدمات الأساسية يؤدي في النهاية إلى الإضرار بالسكان المدنيين، فيما وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي السياسة الأميركية تجاه بلاده بالفاشلة.
وتقول واشنطن إن هدف الضغط هو دفع إيران إلى اتفاق يمنعها نهائيًا من امتلاك سلاح نووي ويوقف الأنشطة التي تعتبرها مهددة لأمن المنطقة، بينما تؤكد طهران استعدادها للتفاوض من دون القبول بالإملاءات أو التخلي عن حقوقها النووية.
ورغم اللغة غير المسبوقة التي استعملها ترامب، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ مع كشف وزارة الخزانة تفاصيل الحزمة الجديدة: هل تستطيع واشنطن بالفعل إغلاق منافذ النفط والتمويل الإيرانية، أم أن تهديد الدول المتعاملة مع طهران سيدفع المواجهة نحو نزاع تجاري أوسع مع الصين وغيرها من القوى؟
وبينما ينتظر العالم الإعلان التنفيذي يوم الاثنين، نجحت تصريحات ترامب وحدها في تحريك أسعار النفط ورفع مستوى القلق في الأسواق، لتصبح «الحرب الاقتصادية» الجديدة جبهة قد لا تتوقف آثارها عند حدود إيران، بل تمتد إلى التجارة والطاقة والأسعار في مختلف أنحاء العالم.
رئيسية 








الرئيسية 





