أنقرة تنقل ملف جرائم الاحتلال إلى ساحة الملاحقة الدولية.. ونزيف الهجرة يفتح جبهة داخلية جديدة في وجه نتنياهو
*العلم الإلكترونية: حكيمة الوردي*
لم تعد المواجهة بين تركيا وحكومة الاحتلال الإسرائيلي محصورة في البيانات الغاضبة وتبادل الاتهامات الدبلوماسية، بعدما قررت أنقرة نقلها إلى ساحة قانونية دولية، بإعلانها التحرك لدى منظمة الشرطة الجنائية الدولية «الإنتربول» من أجل إصدار نشرة حمراء بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، على خلفية قضية مرتبطة باعتراض سفن «أسطول الصمود العالمي» المتجهة إلى قطاع غزة.
وأفاد وزير العدل التركي أكين غورليك، الجمعة 21 غشت الجاري، بأن وزارته خاطبت وزارة الداخلية لاتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل طلب إصدار نشرات حمراء بحق نتنياهو وشخص آخر، تنفيذًا لمذكرات توقيف صادرة عن القضاء التركي في القضية التي يتابع فيها 35 شخصًا على خلفية اعتراض الأسطول واحتجاز ناشطين كانوا على متنه، وفق ما نقلته وكالة «رويترز».
وتتضمن لائحة الاتهامات التي تنظر فيها محكمة الجنايات الحادية عشرة في إسطنبول شبهات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والتعذيب والحرمان غير القانوني من الحرية والإيذاء المتعمد والإضرار بالممتلكات والسطو المشدد واختطاف وسائل النقل البحري، وهي اتهامات لم يصدر بشأنها حكم نهائي، وفق ما أورده موقع «المونيتور».
وكان «أسطول الصمود العالمي» قد أبحر بمشاركة عشرات السفن وناشطين ينتمون إلى أكثر من أربعين دولة، في محاولة لإيصال مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة وكسر الحصار المفروض عليه، قبل أن تعترض قوات الاحتلال غالبية سفنه في المياه الدولية وتحتجز مئات المشاركين، بينهم 48 تركيًا، ثم ترحّلهم لاحقًا، وفق ما أورده موقع «المونيتور».
طلب ينتظر بوابة «الإنتربول»
لا يعني الإعلان التركي أن نتنياهو أصبح مطلوبًا للاعتقال تلقائيًا في جميع دول العالم، إذ إن النشرة الحمراء ليست مذكرة اعتقال دولية، وإنما طلب يوجه إلى أجهزة الشرطة في الدول الأعضاء لتحديد مكان الشخص المطلوب وتوقيفه مؤقتًا، في انتظار بدء إجراءات تسليمه أو اتخاذ إجراء قانوني مماثل، بينما تحتفظ كل دولة بحق تطبيق قوانينها الوطنية عند التعامل مع الطلب، وفق التعريف الرسمي لمنظمة «الإنتربول».
كما لا يكفي أن ترسل أنقرة طلبها حتى يظهر اسم نتنياهو مباشرة على قائمة المطلوبين دوليًا، لأن كل طلب يخضع لمراجعة قانونية داخل المنظمة للتأكد من مطابقته لدستورها وقواعدها المتعلقة بمعالجة البيانات.
وتتولى لجنة متخصصة فحص هوية الشخص المطلوب والمعلومات القضائية المقدمة بحقه والغاية من الطلب، فضلًا عن مراجعة مدى انسجام الملف مع المادة الثانية من دستور المنظمة المتعلقة بحقوق الإنسان، والمادة الثالثة التي تحظر على «الإنتربول» التدخل في القضايا ذات الطابع السياسي أو العسكري أو الديني أو العرقي، وفق منظمة «الإنتربول».
وهنا تكمن العقبة الأساسية أمام التحرك التركي، إذ ستسعى حكومة الاحتلال إلى تصوير الطلب باعتباره امتدادًا لخلاف سياسي مع أنقرة، بينما ستتمسك تركيا بأن الملف يتعلق بشبهات ارتكاب جرائم دولية خطيرة بحق المدنيين الفلسطينيين والناشطين الذين حاولوا كسر الحصار وإيصال المساعدات إلى غزة.
ولا ترفض المنظمة تلقائيًا جميع الملفات التي تحمل أبعادًا سياسية، خصوصًا عندما ترتبط بادعاءات بارتكاب جرائم دولية خطيرة مثل جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية، لكنها تجري تقييمًا لكل حالة على حدة لتحديد ما إذا كان الجانب الجنائي يغلب على الصراع السياسي المحيط بها، وفق القواعد الرسمية لـ«الإنتربول».
مساران قضائيان لا مذكرة واحدة
من الضروري التمييز بين مذكرة التوقيف الصادرة عن القضاء التركي والمذكرة التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو في 21 نونبر 2024. فالتحرك التركي الحالي يستند إلى ملف قضائي محلي يتعلق باعتراض «أسطول الصمود العالمي»، وليس طلبًا لتنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية.
كما أن مذكرة المحكمة الجنائية الدولية لا تتهم نتنياهو بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وإنما تتعلق باتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها استخدام التجويع وسيلة من وسائل الحرب والقتل والاضطهاد وغيرها من الأفعال اللاإنسانية بحق السكان المدنيين في قطاع غزة، وفق المعلومات الرسمية للمحكمة الجنائية الدولية.
ولا يمثل هذا التمييز تبرئة لنتنياهو أو تخفيفًا من جسامة الجرائم المرتكبة، وإنما يحدد بدقة المسار القانوني لكل قضية. فمذكرة المحكمة الجنائية الدولية ومسار القضاء التركي يتحركان بصورة منفصلة، وإن كانا يلتقيان في وضع رئيس حكومة الاحتلال أمام ضغوط قانونية متزايدة بسبب ما ارتكب في غزة.
رد إسرائيلي يحمل الاتهامات ولا يقدم الإجابات
قوبلت الخطوة التركية بهجوم حاد من مكتب نتنياهو، الذي وصف التحرك بأنه محاولة من الرئيس رجب طيب أردوغان لترهيب القادة والجنود الإسرائيليين، ووجه إلى تركيا اتهامات بالنفاق ومعاداة السامية ودعم حركة «حماس» وقمع المعارضين والصحافيين، مؤكدًا أن الطلب التركي لن يحقق أهدافه، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» وما أوردته صحيفة «جيروزاليم بوست» نقلًا عن مكتب نتنياهو.
ولم يتضمن الرد الإسرائيلي تفنيدًا قانونيًا مفصلًا للوقائع التي استند إليها القضاء التركي، بقدر ما لجأ إلى مهاجمة أنقرة وأردوغان شخصيًا، في نهج اعتادت حكومة الاحتلال استخدامه ضد الدول والمنظمات والشخصيات التي تطالب بمحاسبتها على الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
غير أن حدة الرد لا تغير من حقيقة أن القرار النهائي لن يصدر عن أنقرة أو تل أبيب، بل عن الأجهزة المختصة داخل «الإنتربول» أولًا، ثم عن السلطات القضائية في كل دولة قد يدخل نتنياهو أراضيها إذا وافقت المنظمة على نشر الطلب.
وحتى إذا صدرت النشرة الحمراء، فلن يصبح الاعتقال نتيجة مضمونة؛ فبعض الدول تتعامل معها باعتبارها أساسًا يسمح بالتوقيف المؤقت، بينما تشترط دول أخرى صدور قرار قضائي داخلي أو تقديم طلب رسمي للتسليم، كما تستطيع أي دولة رفض التنفيذ إذا رأت أن الطلب يحمل طابعًا سياسيًا أو أن قوانينها لا تسمح بالتسليم.
ومع ذلك، يمكن للنشرة، في حال إصدارها، أن تضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى تحركات نتنياهو الخارجية. فالدول التي قد تستقبله ستصبح مطالبة بدراسة وضعه القانوني قبل الزيارة، وقد تتحول كل رحلة يقوم بها إلى أزمة قضائية ودبلوماسية وإعلامية.
سابقة «مافي مرمرة»
ليست هذه أول مرة تلجأ فيها تركيا إلى آليات الملاحقة الدولية ضد مسؤولين في الاحتلال. ففي سنة 2014 طلبت محكمة تركية إصدار نشرات حمراء بحق أربعة مسؤولين عسكريين إسرائيليين سابقين على خلفية الاعتداء على سفينة «مافي مرمرة» سنة 2010، الذي أسفر عن مقتل عشرة أتراك، غير أن تلك الإجراءات لم تفض إلى اعتقال المسؤولين المطلوبين، وفق ما أورده موقع «المونيتور».
وتقدم تلك السابقة درسًا واضحًا، فإصدار مذكرة قضائية محلية أو تقديم طلب إلى «الإنتربول» لا يؤدي بالضرورة إلى الاعتقال، لكنه يمنح الدولة صاحبة الطلب أداة قانونية لإبقاء القضية مفتوحة، ويحول سفر المسؤولين المعنيين إلى مخاطرة قابلة للارتفاع كلما تغيرت المواقف الدولية أو دخلوا دولة قد تتجاوب مع الطلب.
سوريا توسع دائرة التصعيد
يتزامن المسار القضائي التركي مع تصعيد ميداني وسياسي بين أنقرة وحكومة الاحتلال فوق الأراضي السورية. فقد شنت إسرائيل في 18 غشت ثماني غارات على قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال غربي سوريا، استهدفت مدرجات ومناطق للتخزين من دون تسجيل خسائر بشرية، في أول هجوم من نوعه على منشآت حكومية سورية منذ عدة أشهر، وفق ما نقلته وكالة «رويترز».
وبررت حكومة الاحتلال الضربة بالادعاء أن السلطات السورية كانت على وشك السماح بنشر قوات تركية داخل القاعدة، معتبرة أن الانتشار المفترض يمثل تهديدًا لأمنها ويخل بما وصفته بالتفاهمات الأمنية القائمة.
في المقابل، نفت أنقرة وجود أفراد أو وفد عسكري تركي داخل القاعدة قبل الغارات أو خلالها، وأكدت أن تعاونها العسكري مع دمشق يقتصر على التدريب وتبادل الخبرات، فيما أعلنت السلطات السورية عدم وجود خطة لإقامة حشد أو قاعدة عسكرية تركية في أبو الظهور، وفق ما نقلته وكالة «رويترز».
واتهمت تركيا نتنياهو بانتهاج سياسة توسعية ومزعزعة للاستقرار، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات أكثر جدية وفاعلية ضد التدخلات العسكرية الإسرائيلية في الدول المجاورة، مؤكدة أن تكرار هذه الاعتداءات لا ينبغي أن يحولها إلى ممارسات عادية أو مقبولة، وفق ما نقلته وكالة «رويترز».
أما المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم براك، فاعتبر القصف «تصعيدًا غير ضروري»، محذرًا من أن المفاجأة التي أحدثتها الضربة كان يمكن أن تؤدي إلى رد عسكري تركي ومواجهة أوسع. وشرعت واشنطن في العمل على تطوير آلية اتصال ومنع اشتباك تجمع تركيا وسوريا وإسرائيل، تفاديًا لتحول سوء التقدير إلى صدام مباشر، وفق ما نقلته وكالة «رويترز».
من غزة إلى سوريا
من الصعب فصل التحرك التركي ضد نتنياهو عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالمجازر في غزة والحصار والتجويع والتهجير القسري تمثل الأساس الذي دفع العلاقات التركية الإسرائيلية إلى حافة القطيعة، بينما تحولت سوريا إلى ساحة جديدة للتنافس على النفوذ وحدود الحركة العسكرية.
وترى أنقرة أن علاقتها بالقيادة السورية الجديدة تمنحها فرصة للمساهمة في إعادة بناء الدولة ودعم استقرارها، فيما تنظر حكومة الاحتلال بقلق إلى أي حضور تركي محتمل داخل سوريا، خصوصًا في مواقع قد تحد من حرية الطيران الإسرائيلي في قصف الأراضي السورية متى شاء.
ومن هنا، لا يبدو طلب النشرة الحمراء إجراءً معزولًا داخل ملف قضائي، بل جزءًا من انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه المحاكم مع المجال الجوي، وتتحول فيه ملفات غزة وسوريا إلى أوراق في معركة النفوذ والمحاسبة.
هل يمكن اعتقال نتنياهو؟
الطريق إلى اعتقال نتنياهو ما يزال طويلًا، إذ يتعين أولًا أن يوافق «الإنتربول» على الطلب بعد مراجعته قانونيًا، ثم أن يدخل رئيس حكومة الاحتلال دولة تتعامل مع النشرة الحمراء باعتبارها أساسًا للتوقيف، وأن توافق سلطاتها القضائية على احتجازه، قبل بدء معركة أخرى تتعلق بتسليمه إلى تركيا.
وحتى إذا رفضت المنظمة الطلب أو تعذر تنفيذه، تكون أنقرة قد حققت جانبًا من أهدافها السياسية والقانونية، عبر وضع نتنياهو مجددًا في موقع المتهم، وربط اسمه بملف ملاحقة جديد إلى جانب مذكرة المحكمة الجنائية الدولية.
أما إذا وافقت المنظمة على نشر الطلب، فستدخل القضية مرحلة غير مسبوقة، إذ سيصبح نتنياهو موضوع ملاحقتين متوازيتين؛ إحداهما أمام المحكمة الجنائية الدولية بسبب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في غزة، والثانية مرتبطة بمذكرات القضاء التركي وقضية اعتراض «أسطول الصمود العالمي».
مفارقة الهجرة.. من أراد اقتلاع الفلسطينيين يراقب الرحيل من حوله
وبينما عمل نتنياهو وحكومته بكل الوسائل العسكرية والسياسية على دفع الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية إلى ترك أرضهم، جاءت الأرقام من داخل الكيان لتكشف مفارقة لا تخلو من مرارة سياسية؛ فالفلسطيني الذي قُصف منزله وحُوصر وجُوّع ما يزال متشبثًا بأرضه، بينما يسجل المجتمع الإسرائيلي موجة مغادرة غير مسبوقة بحثًا عن الأمان والاستقرار خارج الحدود.
وكشفت دراسة حديثة أعدها باحثون في جامعة تل أبيب، اعتمادًا على بيانات مكتب الإحصاء الإسرائيلي، أن 268 ألفًا و509 إسرائيليين غادروا البلاد خلال السنوات الثلاث الممتدة من 2023 إلى 2025، وبقوا خارجها مدة ثلاثة أشهر متصلة على الأقل. وبلغ عدد المغادرين 86 ألفًا و509 أشخاص خلال 2023، ثم ارتفع إلى 91 ألفًا و499 في 2024، قبل أن يسجل 90 ألفًا و922 خلال 2025، وهي أعلى مستويات للمغادرة خلال الفترة التي تناولتها الدراسة، وفق جامعة تل أبيب.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المغادرين هاجروا بصورة نهائية، إذ اعتمد الباحثون الإقامة في الخارج ثلاثة أشهر متصلة مؤشرًا مبكرًا لرصد اتجاه الهجرة، بسبب عدم صدور البيانات النهائية الخاصة بمن بقي خارج البلاد سنة كاملة خلال 2025. وقدرت الدراسة أن ما بين 45 و50 ألف إسرائيلي يُرجح أنهم ظلوا في الخارج سنة أو أكثر خلال ذلك العام، وفق جامعة تل أبيب.
والأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى حكومة الاحتلال ليس الرقم وحده، بل نوعية المغادرين، إذ تشير المعطيات إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد الأطباء والمهندسين والأكاديميين والعاملين في قطاع التكنولوجيا وأصحاب الدخول المرتفعة، بما يثير تحذيرات من تحول الموجة إلى نزيف للكفاءات يهدد الاقتصاد والقطاع الصحي والقدرات العلمية، وفق ما نقلته وكالة «الأناضول» استنادًا إلى الدراسة الإسرائيلية.
وهكذا يجد نتنياهو نفسه أمام مفارقة صنعتها سياساته بيديه: أمضى سنوات يتحدث عن تهجير الفلسطينيين وإعادة تشكيل غزة وفرض واقع جديد في الضفة، فإذا به يراقب عشرات الآلاف من الإسرائيليين وهم يحزمون حقائبهم إلى الخارج. أراد أن يجعل أرض الفلسطينيين غير قابلة للحياة، فانتهى به الأمر إلى قيادة كيان بات عدد متزايد من سكانه يبحثون عن الحياة بعيدًا عنه.
لقد فشل القصف والحصار والتجويع في كسر ارتباط الفلسطيني بأرضه، بينما نجحت سياسات نتنياهو وحروبه المفتوحة وأزماته الداخلية في دفع أعداد قياسية من الإسرائيليين نحو المطارات. وكأن التاريخ يكتب ساخرًا في دفتره: من خطط لتهجير أصحاب الأرض، أصبح منشغلًا بإقناع سكان كيانه بألا يغادروه.
وبين نشرة حمراء تطلبها تركيا، ومذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، ومعارضة تحمّل نتنياهو مسؤولية الانقسام والأزمات، وكفاءات تتجه إلى الخارج، تضيق الدائرة من حول رئيس حكومة الاحتلال. وقد يستطيع الرجل الإفلات من محكمة هنا أو تجنب زيارة دولة هناك، لكنه لن يستطيع بسهولة اعتقال الحقيقة نفسها: سياساته لم تمنح الإسرائيليين الأمن الذي وعدهم به، ولم تنجح في اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم.
رئيسية 








الرئيسية 





