Quantcast
2026 أكتوبر 7 - تم تعديله في [التاريخ]

ثلاث سنوات على «طوفان الأقصى».. غزة دفعت الثمن الأكبر وإسرائيل تفتح جبهات جديدة

غزة لم تعد كما كانت؛ آلاف الأطفال رحلوا تحت الركام، والمدن تحولت إلى أنقاض، لكن الحرب لم تتوقف عند حدود القطاع: من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران، إسرائيل وسّعت دائرة النار، فيما بقي السؤال الأكبر بلا جواب: ماذا صنعت ثلاث سنوات من الحرب، ومن دفع ثمنها؟


ثلاث سنوات… وطفولة غزة ما زالت تنتظر الحياة وسط الركام

حكيمة الوردي
حكيمة الوردي
*العلم الإلكترونية — إعداد: حكيمة الوردي*

ثلاث سنوات مرت على السابع من أكتوبر 2023، لكن ذلك اليوم لم يتحول إلى ذكرى من الماضي. فما بدأ في ذلك الصباح بعملية فلسطينية مفاجئة داخل الأراضي الإسرائيلية، تحول إلى حرب طويلة على قطاع غزة، خلّفت عشرات الآلاف من القتلى الفلسطينيين، ودمرت مدنًا وأحياء ومرافق صحية وتعليمية، وشردت غالبية سكان القطاع، قبل أن يتسع نطاق المواجهة ليشمل ساحات أخرى في الشرق الأوسط.

وفي الذكرى الثالثة، تبدو المفارقة الأكثر قسوة في المشهد: غزة التي تحملت الجزء الأكبر من الدمار لا تزال تنزف، فيما لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية عند حدود القطاع.

ففي السابع من أكتوبر 2026 نفسه، سُجلت غارات إسرائيلية وإطلاق نار وعمليات نسف لمنازل في مناطق متفرقة من غزة، وسقط فلسطينيون، بينهم متطوع في الدفاع المدني، فيما أصيبت طفلة برصاص القوات الإسرائيلية في خان يونس، واستهدفت النيران خيامًا تؤوي نازحين.

◆ أطفال غزة.. الضحية التي لا تستطيع الكلام

إذا كانت هناك صورة تختصر السنوات الثلاث الماضية، فهي ليست صورة دبابة ولا صاروخًا، وإنما صورة طفل فلسطيني يبحث عن بيت لم يعد موجودًا.

تقرير للجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، نُشر في يونيو 2026، وثّق مقتل 20,179 طفلًا فلسطينيًا وإصابة 44,143 طفلًا منذ 7 أكتوبر 2023، وفق الأرقام التي تناولها التقرير، وخلص إلى أن الأطفال الفلسطينيين تعرضوا لأشكال واسعة من القتل والإصابة والحرمان والتعذيب والتهجير، وأن آثار ما جرى ستستمر في التأثير في حياتهم ومستقبلهم.

والأخطر أن اللجنة لم تتحدث عن مأساة عابرة أو أضرار جانبية للحرب، بل قالت إن لديها أسبابًا معقولة للاستنتاج بأن جانبًا كبيرًا من الأذى الواقع على الأطفال الفلسطينيين لم يكن عرضيًا، وإنما ارتبط بأفعال قالت إنها جزء من استراتيجية تستهدف مستقبل الفلسطينيين في غزة.

وفي يونيو الماضي، ذهبت اللجنة إلى أبعد من ذلك، معلنة أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت إبادة جماعية وغيرها من الجرائم الدولية بحق الفلسطينيين في غزة، وربطت استهداف الأطفال بما وصفته بعناصر النية التدميرية.

وهكذا، يصبح السؤال في الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر أكثر إلحاحًا: ماذا بقي من طفولة غزة بعد ثلاث سنوات من القصف والنزوح والجوع وفقدان الآباء والأمهات والبيوت والمدارس والمستشفيات؟

◆ غزة بعد ثلاث سنوات.. وقف إطلاق النار لم يُنهِ الحرب

دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، وأنهى العمليات العسكرية واسعة النطاق، لكنه لم يضع حدًا للعنف.

فالتقرير الأممي الأخير عن الوضع في الأراضي الفلسطينية يؤكد استمرار الغارات الإسرائيلية والقصف وهجمات الطائرات المسيّرة والعمليات البرية، إلى جانب استمرار سقوط الضحايا الفلسطينيين.

كما بقي نحو ثلثي قطاع غزة غير متاح أو خاضعًا لقيود شديدة على الوصول، بينما يواجه السكان الذين تجمع معظمهم في مساحة محدودة ظروفًا شديدة الصعوبة. وفي سبتمبر الماضي، أدى انهيار مبنى متضرر في تل الهوى إلى مقتل 21 شخصًا، بينهم ثمانية أطفال، في واقعة تلخص حجم الخطر الذي تركته سنوات الحرب خلفها.

وفي أحدث صورة التقطتها وسائل الإعلام الدولية، لا تبدو غزة كقطاع يستعد لإعادة البناء، بل كمساحة واسعة من الركام. وتظهر صور الأقمار الصناعية التي نشرتها وكالة «أسوشيتد برس» أن مدينة رفح تعرضت لدمار واسع، وأن عمليات الهدم استمرت حتى بعد وقف إطلاق النار، بينما لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من 60 في المائة من مساحة القطاع، وفق التقرير.

◆ من غزة إلى سوريا ولبنان وإيران.. أين توقفت الحرب؟

السؤال الذي فرض نفسه خلال السنوات الثلاث ليس فقط: ماذا حدث لغزة؟

بل أيضًا: إلى أين ذهبت الحرب بعد غزة؟

فالعمليات العسكرية الإسرائيلية امتدت إلى جبهات متعددة، وشملت لبنان وسوريا وإيران، فيما دخلت الولايات المتحدة بصورة مباشرة في مواجهات مع إيران، واستمر التوتر في اليمن والبحر الأحمر، لتتحول حرب غزة إلى عامل رئيسي في إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي في الشرق الأوسط.

وفي سوريا تحديدًا، وثقت الأمم المتحدة مخاوف متزايدة بشأن النشاط العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية. وفي سبتمبر 2026، حذرت لجنة تحقيق أممية من أن بعض الأفعال الإسرائيلية في سوريا قد ترقى إلى جرائم حرب، في وقت تواصلت فيه الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.

◆ إسرائيل بعد 7 أكتوبر.. من صدمة اليوم الأول إلى سؤال المسؤولية

وفي الجانب الإسرائيلي، لا تزال ذكرى 7 أكتوبر مرتبطة بصدمة أمنية وسياسية عميقة.

وتشهد إسرائيل اليوم مطالب متزايدة بإجراء تحقيق مستقل في الإخفاقات التي سبقت الهجوم، بينما يرفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحمل المسؤولية السياسية عن الخرق الأمني الذي سبق الهجوم.

وتأتي الذكرى الثالثة قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر الجاري، أي بعد عشرين يومًا فقط، ما يجعل ملف 7 أكتوبر حاضرًا بقوة في النقاش السياسي الداخلي الإسرائيلي.

لكن السؤال الإسرائيلي عن مسؤولية 7 أكتوبر لا يلغي سؤالًا آخر لا يقل أهمية: من يتحمل مسؤولية ما جرى للفلسطينيين خلال السنوات الثلاث التالية؟

فالمأساة الفلسطينية لم تكن مجرد نتيجة رقمية لحرب، بل كارثة إنسانية وثقتها الأمم المتحدة بتقارير متتالية، من قتل الأطفال وإصابتهم، إلى تدمير المدارس والمستشفيات، والتهجير، والقيود على المساعدات، وتدمير مقومات الحياة الأساسية.

◆ أسرى وأسرى حرب.. والمصطلحات أيضًا جزء من المعركة

وفي ملف الأسرى، لا ينبغي أن تتحول اللغة الصحفية إلى ترديد آلي للمصطلحات السياسية التي تفرضها رواية أحد أطراف الصراع.

فالأشخاص الذين أُخذوا من إسرائيل إلى غزة كانوا في عداد الأسرى لدى الفصائل الفلسطينية، وقد وصفت الأمم المتحدة ظروف احتجاز عدد منهم بأنها تضمنت انتهاكات خطيرة، كما وثقت تقاريرها الانتهاكات التي تعرض لها فلسطينيون، بمن فيهم أطفال، داخل أماكن الاحتجاز الإسرائيلية.

والقضية الأوسع هي أن ملف الأسرى والمعتقلين لا يمكن فصله عن السؤال عن حقوق المدنيين، وعن القانون الدولي، وعن ضرورة التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، أيًا كان الطرف الذي ارتكبها.

◆ ثلاث سنوات.. غزة لم تختفِ

في الذكرى الثالثة، تحاول إسرائيل استعادة صورة 7 أكتوبر باعتباره اليوم الذي غيّر تاريخها الحديث.

لكن غزة أيضًا تملك صورة أخرى لليوم نفسه: صورة بداية ثلاث سنوات من القتل والتهجير والدمار، وصورة آلاف الأطفال الذين لم يصلوا إلى عامهم الرابع من الحرب، وأطفال آخرين سيحملون آثارها النفسية والجسدية طوال حياتهم.

والأمم المتحدة نفسها تقول إن وقف إطلاق النار لم يتحول بعد إلى سلام دائم، وإن المطلوب هو تحويله إلى مسار سياسي يضمن الحقوق والأمن والكرامة للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.

بعد ثلاث سنوات، يمكن إذن أن تتغير الجبهات، وأن تتوقف بعض المعارك، وأن تتبدل التحالفات، لكن الحقيقة الأثقل تبقى في غزة:

الركام لم يتحول إلى بيوت، والمدارس لم تعد إلى الأطفال، والضحايا لم يعودوا إلى أسرهم، والطفولة التي سُحقت تحت القصف لا يمكن لبيانات الجيوش ولا للمؤتمرات السياسية أن تعيدها.

ولهذا، فإن ذكرى 7 أكتوبر 2026 ليست مجرد ذكرى لهجوم وقع قبل ثلاث سنوات، وإنما محطة لمساءلة مرحلة كاملة: كيف بدأت، وكيف اتسعت، ومن دفع ثمنها الأكبر؟

لكن السؤال، بعد ثلاث سنوات من الدم والركام، لا يمكن أن يتوقف هنا.

من خذل غزة وهي تحت القصف؟ من ترك أطفالها يواجهون الموت والجوع والنزوح؟ من موّل الحرب أو سلّح من خاضها؟ من واصل تزويد إسرائيل بالسلاح بينما كانت صور الأطفال تحت الركام تصل إلى العالم يومًا بعد يوم؟ من منح إسرائيل الغطاء السياسي والدبلوماسي الذي مكّن الحرب من الاستمرار؟ ومن امتلك القدرة على الضغط لوقف المأساة ولم يستخدمها بالقدر الذي كان يمكن أن ينقذ حياة إنسان؟

ثم سؤال أكبر من كل ذلك: كيف وصل العالم إلى لحظة يصبح فيها قتل أكثر من عشرين ألف طفل فلسطيني، وفق بيانات اليونيسف حتى منتصف 2026، رقمًا في تقرير، بينما تستمر الحياة السياسية والدبلوماسية الدولية وكأن المأساة قابلة للإدارة لا للإنهاء؟

فالدمار الذي تركته الحرب في غزة لم يصنعه طرف واحد في فراغ دولي. وراء كل قنبلة سُلّمت، وكل صفقة سلاح أُقرت، وكل غطاء سياسي قُدّم، وكل قرار لم يُترجم إلى ضغط فعلي، توجد مسؤوليات سياسية وأخلاقية وقانونية تستحق أن تُسأل.

وتكشف أرقام الحرب حجم المفارقة: أكثر من 1.9 مليون من أصل 2.1 مليون من سكان غزة كانوا نازحين حتى منتصف 2026، فيما بقيت الخدمات الأساسية والمياه والصحة والصرف الصحي في حالة حرجة، وفق اليونيسف.

فإذا كان 7 أكتوبر قد فتح باب السؤال عن المسؤولية داخل إسرائيل، فإن السنوات الثلاث التالية تفتح بابًا أوسع بكثير: من المسؤول عن استمرار المأساة بعد أن عرف العالم حجمها؟ ومن خذل غزة عندما كانت في أمسّ الحاجة إلى من يقف إلى جانب أطفالها؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تبقى مفتوحة في الذكرى الثالثة.

ليس فقط: ماذا حدث في 7 أكتوبر؟

بل أيضًا: ماذا حدث لغزة بعد 7 أكتوبر؟ ومن سمح بأن تصل إلى ما وصلت إليه؟ ومن كان يستطيع أن يمنع ذلك ولم يفعل؟

وفي قلب كل هذه الأسئلة يقف طفل فلسطيني فقد بيته وأسرته ومدرسته، لكنه بقي شاهدًا حيًا على أن غزة لم تكن مجرد ساحة حرب، بل شعبًا يعيش تحت النار ويحاول أن يبقى.

ثلاث سنوات… وطفولة غزة ما زالت تنتظر الحياة وسط الركام
ثلاث سنوات… وطفولة غزة ما زالت تنتظر الحياة وسط الركام

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار