*بقلم: ذ. محمد بن عبد الرحمان الحفظاوي*
إن توجيه أمير المؤمنين رسالته السامية إلى المجلس العلمي الأعلى بشأن إحياء ذكرى مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، هو إدراك منه للدور التربوي للسيرة النبوية والسنة الشريفة في حياة الأجيال، وتحريرهم من غل النفس،وقيود الدنيا الدنيئة،وكل مايقطع القلب عن السير إلى الله. ودعوة للهج بالصلوات الطيبات على خير الآنام طاعة لله القائل في محكم كتابه الكريم:﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا {الأحزاب/56}﴾، ولما فيها من الفوائد العظيمة في الدنيا والآخرة.
واستجابة لهذا التوجيه الملكي السامي،وبمناسبة ذكرى المولد النبوي بتاريخ:الثلاثاء12ربيع الأول1448هـ الموافق 25غشت2026م،دبجت هذه الكلمات اليسيرات،راجيا من ورائها إخلاصا وصوابا. مصداقا لقوله تعالى:
﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا {الكهف/110}﴾.
1) مكانة السنة في التشريع الإسلامي:
أنزل الله تعالى كتابه الكريم لهداية الناس إلى مافيه نجاتهم في الدنيا والآخرة، وأعطى نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جانب الوحي المتلو، السنة الشارحة لمافي الكتاب،كما قال سبحانه: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {النحل/44}﴾، فذكر القرآن الكريم الوظيفة البيانية للرسول صلى الله عليه وسلم،وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه...))، وقد تواترت الأحاديث النبوية في وجوب العمل بهديه صلى الله عليه وسلم في شؤون الحياة، قال صلى الله عليه وسلم: ((لاأُلفِيَن أحدَكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول:لاندري،ماوجدنا في كتاب الله اتبعناه))، وقال صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين،تمسكوا بها،وعضوا عليها بالنواجذ،وإياكم ومحدثات الأمور،فإن كل محدثة بدعة،وكل بدعة ضلالة)).
لذلك فإن من المقرر عند علماء الأمة أن السنة تأتي في الرتبة التشريعية بعد مرتبة القرآن، فهي إما أن تكون بيانا للكتاب أو زيادة عليه أو تأكيدا لما في الكتاب، ومن جهة البيان فالمبيِّن يأتي في الرتبة بعد المبيَّن لأنه أساسه، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن،قال:"كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟".قال :أقضي بكتاب الله،قال:"فإن لم تجد في كتاب الله؟"،قال:فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،قال:"فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،ولافي كتاب الله؟"قال:أجتهد رأيي ولاآلو. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره، وقال:"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لمايرضي الله ورسوله".
2) الترجمة العملية للمكانة التشريعية للسنة والسيرة:
إن في رسول الله صلى الله عليه وسلم،أسوة حسنة، وقدوة هادية لكل المسلمين في كل شؤون حياتهم، بجعل الله تعالى، حيث قال سبحانه:﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا {الأحزاب/21} ﴾. وقد كان من نتائج التأسي بالنبي
مما يقتضي النظر الدائم في سيرته عليه الصلاة والسلام لأجل تحقيق الهداية، واستلهام المنهج المستقيم للسير عليه في هذه الحياة. لأن مشكلة المنهج هي " مشكلة أمتنا الأولى . ولن يتم إقلاعنا العلمي ولا الحضاري إلا بعد الاهتداء في المنهج للتي هي أقوم ، وبمقدار تفقهنا في المنهج ورشدنا فيه، يكون مستوى انطلاقنا كما وكيفا". ولقد نبه إلى هذا المعنى من قبل الإمام الشاطبي في مقدمة موافقاته بقوله:" وجملة الأمر في التحقيق أن أدهى ما يلقاه السالك للطريق فقد الدليل ، مع ذهن لعدم نور الفرقان كليل،وقلب بصدمات الأضغاث عليل، فيمشي على غير سبيل، وينتمي إلى غير قبيل ".
إن هذا الغياب للتصور المنهجي بمقوماته لم يخلف فراغا فحسب، بل فسح المجال لتصور آخر حل محله، إنه "...فكر غريب عن الصبغة والمعايير والضوابط الاسلامية وهذا الفكر الغريب منه "الوافد" ومنه "الموروث" ...وهذه الأزمة في الفكر قد أحدثت أزمة لأمة هذا الفكر ،عندما أفقدها الاتجاه الطبيعي وغبشت الكثير من تصوراتها الإسلامية الجوهرية".
من هاهنا تأتي أهمية وضرورة الاهتمام بقضية المنهج، ونعني بالمنهج طريقة فهم الإسلام نصا وتطبيقا، وقواعد تفسير المصادر الشرعية قرآنا وسنة وسيرة.
إن ماكتب في السيرة النبوية من أسفار قيمة، ضمنها جهابذة الأمة خلاصة معرفتهم بسيرته صلى الله عليه وسلم، وشمائله، وهديه، لفي حاجة إلى التدقيق والتحقيق في كثير من مروياتها، كما هي في حاجة-أيضا- إلى القراءة العميقة، واستخلاص الهدي النبوي -في كل مايتعلق بالشخصية الإنسانية المسلمة-، إضافة إلى ما كتب في كتب السنن المبينة لماجاء في الكتاب العزيز من إجمال وعموم؛ نظرا لتعلقها بصياغة الشخصية الإسلامية في كل جوانبها العقدية والتعبدية والمعاملاتية.
وفي الختام:
فإن مدارسة السيرة النبوية بقصد الاتباع أمارة على محبة العبد لربه،وثمرتها محبة الله للعبد وغفران ذنوبه؛ قال الله تعالى:﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {آل عمران/31} قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ {آل عمران/32}﴾. فمحبة العبد لله ورسوله بطاعتهما واتباعهما، ومحبة الله للعبد إنعامه عليه بالغفران. قال سهل بن عبد الله:"علامة حب الله حب القرآن، وعلامة حب القرآن حب النبي
رئيسية 








الرئيسية 





