◆ حين يفتح التاريخ دفاتره… تظهر مفارقات أغرب من الخيال
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
من ألفونسو الثاني عشر الذي أنهى السل حياته إلى ألفونسو الثالث عشر الذي أسقطته الجمهورية وخوان كارلوس الذي تنازل عن العرش بعد سلسلة فضائح… فيليبي السادس يعيد فتح سجل الزيارات الملكية لسبتة المغربية المحتلة والتاريخ يثير مفارقة تستحق التأمل
لا أؤمن بالخرافات، ولا أعتقد أن المدن تحمل لعنة تطارد زوارها، ولا أن مصائر الملوك تحددها رحلاتهم أو زياراتهم الرسمية. لكنني أؤمن بأن التاريخ يحتفظ أحيانًا بمفارقات مثيرة تستحق أن نتوقف عندها، ونقرأ تفاصيلها، ونترك للقارئ متعة التأمل واستخلاص الدلالات.
ومن بين هذه المفارقات ما شد انتباهي وأنا أتابع زيارة الملك الإسباني فيليبي السادس لمدينة سبتة المغربية المحتلة يوم 13 أكتوبر 2026، رفقة زوجته الملكة ليتيثيا.
فبالعودة إلى سجل الزيارات الملكية الإسبانية للمدينة، نجد أن أربعة ملوك من الأسرة البوربونية زاروها خلال ما يقارب قرنًا ونصف القرن، وأن الملوك الثلاثة الذين سبقوا فيليبي السادس انتهى حكم كل واحد منهم خلال مدة لم تتجاوز ثماني سنوات وبضعة أيام من زيارته الأخيرة.
الأول مات بمرض السل، والثاني غادر العرش والبلاد بعد سقوط الملكية، والثالث تنازل عن العرش لابنه، بعدما أثقلت صورته أزمات وفضائح سياسية وعائلية ومالية.
إنها ليست لعنة سبتة كما قد يحلو للبعض تسميتها، لكنها مفارقة تاريخية جديرة بالقراءة، خصوصًا أن المدينة ظلت موضوع خلاف في السيادة بين المغرب وإسبانيا، مهما تعددت الزيارات وتوالت الاستقبالات وارتفعت الأعلام.
◆ الملك الأول… زار سبتة سنة 1877 وبعد ثماني سنوات أنهى السل حياته وحكمه
في 20 نونبر 1877، وصل الملك الإسباني ألفونسو الثاني عشر إلى سبتة على متن الفرقاطة الحربية «فيكتوريا»، حيث استقبلته السلطات العسكرية الإسبانية بمظاهر الاحتفال والتشريفات الملكية.
كان الملك شابًا، وقد اعتلى العرش قبل ذلك بثلاث سنوات تقريبًا، في مرحلة سعت فيها إسبانيا إلى ترسيخ عودة الأسرة البوربونية إلى الحكم.
لكن السنوات التي أعقبت زيارته لم تكن كلها استقرارًا وهناءً.
ففي سنة 1878، فقد زوجته الأولى ماريا دي لاس مرسيدس، بعد أشهر قليلة من زواجهما. ونجا في أكتوبر من السنة نفسها من محاولة اغتيال، ثم من محاولة ثانية في ديسمبر 1879.
وتزوج مرة أخرى من ماريا كريستينا النمساوية، لكن المرض كان يتسلل إلى جسده، ولم تمهله الحياة طويلًا.
ففي 25 نونبر 1885، توفي ألفونسو الثاني عشر في قصر إل باردو قرب مدريد، عن عمر لم يتجاوز 27 سنة، بعد إصابته بمرض السل.
وهكذا لم تمر على زيارته لسبتة سوى ثماني سنوات وخمسة أيام حتى انتهت حياته وانتهى معها حكمه.
لم يسقط الملك بانقلاب، ولم تطرده ثورة، ولم يُجبر على التنازل عن العرش. لقد أنهى المرض حياته وهو لا يزال ملكًا.
والمفارقة أن ابنه ألفونسو الثالث عشر سيولد بعد وفاته، ليصبح بدوره ملكًا منذ ولادته، ثم يزور المدينة نفسها، قبل أن يعرف نهاية مختلفة تمامًا.
◆ الملك الثاني… زار سبتة محاطًا بالجنرالات وبعد ثلاث سنوات ونصف سقط عرشه
هنا تصبح الحكاية أكثر إثارة، وتزداد المفارقة التاريخية عمقًا.
فألفونسو الثالث عشر، ابن الملك الذي مات بالسل، زار سبتة أول مرة يوم 3 ماي 1904، ثم عاد إليها في 5 أكتوبر 1927، مصحوبًا بزوجته الملكة فيكتوريا أوجينيا.
كانت الزيارة الثانية تحمل طابعًا سياسيًا وعسكريًا واضحًا.
وصل الملك على متن البارجة الحربية «خايمي الأول»، وجرى استقباله وسط احتفالات رسمية وعروض عسكرية، بحضور شخصيات بارزة من بينها رئيس الحكومة الجنرال ميغيل بريمو دي ريفيرا، والجنرال خوسي سانخورخو.
وفي سبتة، زار الملك مواقع عسكرية وشارك في مراسم رسمية، كما دُشن القصر البلدي، في استعراض للنفوذ الإسباني بالمنطقة.
لكن المشهد الذي بدا متماسكًا سنة 1927 كان يخفي نظامًا سياسيًا يقترب من أزمة عميقة.
فبريمو دي ريفيرا كان يحكم إسبانيا منذ انقلاب سنة 1923 بدعم من الملك. ومع مرور السنوات، اشتدت معارضة الدكتاتورية، واتسعت الاحتجاجات، وتفاقمت الأزمات السياسية والاقتصادية.
وفي 28 يناير 1930، سقطت حكومة بريمو دي ريفيرا، واضطر الجنرال الذي رافق الملك إلى سبتة إلى الاستقالة.
ثم توفي بعد أقل من شهرين في باريس.
وحاول ألفونسو الثالث عشر إنقاذ النظام الملكي بتعيين حكومة جديدة، لكن المعارضة الجمهورية كانت تكتسب مزيدًا من القوة والتنظيم.
وفي 12 أبريل 1931، أجريت انتخابات بلدية تحولت إلى استفتاء سياسي غير مباشر على استمرار الملكية.
كانت النتائج صادمة للنظام الملكي؛ فقد حقق الجمهوريون انتصارات في كبريات المدن الإسبانية، وخرجت الجماهير إلى الشوارع مطالبة بإنهاء الحكم الملكي.
وفي 14 أبريل 1931، أُعلنت الجمهورية الإسبانية الثانية، وغادر ألفونسو الثالث عشر إسبانيا نحو المنفى، دون أن يتنازل رسميًا عن حقوقه في العرش آنذاك.
والأكثر إثارة أن الجنرال سانخورخو، الذي كان من كبار العسكريين الذين استقبلوا الملك في سبتة سنة 1927، لم يحرك الحرس المدني لإنقاذ النظام الملكي عندما حانت لحظة سقوطه.
لم تتوقف محنة ألفونسو الثالث عشر عند مغادرة الحكم.
ففي 26 نونبر 1931، أصدر البرلمان التأسيسي الجمهوري قرارًا بإدانته بالخيانة العظمى، وتجريده من ألقابه وامتيازاته، ومصادرة ممتلكاته الموجودة داخل الأراضي الإسبانية.
ثم أمضى سنواته الأخيرة في المنفى، إلى أن توفي بروما يوم 28 فبراير 1941.
أي إن الملك الذي زار سبتة وسط مظاهر القوة والعظمة سنة 1927، كان بعد ثلاث سنوات ونصف تقريبًا قد فقد عرشه وغادر بلاده، ثم أصبح موضوع إدانة سياسية وقانونية من الجمهورية الجديدة.
فأي مفارقة أكبر من أن يكون الملك قد استعرض قوته في سبتة، ثم عجز بعد سنوات قليلة عن الاحتفاظ بعرشه داخل مدريد؟
◆ الملك الثالث… خوان كارلوس يزور سبتة ثم يتنازل عن العرش وتلاحقه الفضائح إلى أبوظبي
في 5 نونبر 2007، وصل الملك الإسباني خوان كارلوس الأول إلى سبتة، رفقة زوجته الملكة صوفيا، قبل أن ينتقل في اليوم الموالي إلى مليلية.
وكانت الزيارة حدثًا سياسيًا ودبلوماسيًا حساسًا، لأنها مست الموقف المغربي الثابت من السيادة على المدينتين.
وقد عبر المغرب عن رفضه، وقرر الملك محمد السادس استدعاء السفير المغربي بمدريد للتشاور قبل الزيارة.
استُقبل خوان كارلوس بمظاهر الاحتفال الإسبانية، وألقى خطابات، وتلقى التشريفات، وبدا وكأنه يريد تكريس حضور الملكية الإسبانية في المدينتين.
لكن السنوات التالية ستكشف وجهًا آخر لحياة هذا الملك.
ففي سنة 2011، بدأت فضيحة «نُووس» تتسع قضائيًا وإعلاميًا، بعدما شملت التحقيقات صهر الملك إينياكي أوردانغارين، زوج الأميرة كريستينا، في شبهات تتعلق بالفساد واختلاس أموال عمومية.
ولم يعد القصر الملكي بعيدًا عن دائرة الانتقادات.
ثم جاءت سنة 2012 بفضيحة أخرى، عندما كُشفت رحلة الملك الخاصة إلى بوتسوانا لصيد الفيلة، في وقت كانت فيه إسبانيا تعاني البطالة والأزمة الاقتصادية وإجراءات التقشف.
وأثار الكشف عن الرحلة غضبًا واسعًا، خصوصًا بعدما تعرض الملك لحادث استوجب نقله للعلاج، واضطر إلى تقديم اعتذار علني للشعب الإسباني.
وبالتوازي، بدأت تتكشف لاحقًا تفاصيل علاقته بكورينا لارسن، والتحويلات المالية الضخمة المرتبطة بمؤسسات وحسابات مصرفية خارج إسبانيا.
ومن أبرز ما ظهر في التحقيقات تحويل بقيمة 100 مليون دولار من السعودية سنة 2008 إلى حساب مؤسسة مرتبطة بالملك، ثم تحويل نحو 65 مليون يورو سنة 2012 إلى كورينا لارسن.
وقد أثارت تلك التحويلات شبهات مالية وتحقيقات متعددة، دون أن تنتهي بإدانة جنائية للملك السابق، إذ أُغلقت التحقيقات الإسبانية والسويسرية لأسباب شملت عدم كفاية الأدلة والتقادم والحصانة الملكية والتسويات الضريبية.
لكن الضرر الذي أصاب صورة الملكية كان قد أصبح موضوع نقاش واسع داخل المجتمع الإسباني.
وفي 2 يونيو 2014، أعلن خوان كارلوس قراره التنازل عن العرش لصالح ابنه فيليبي السادس، وأصبح التنازل نافذًا يوم 19 يونيو.
وبذلك لم تمض على زيارته لسبتة سوى ست سنوات وسبعة أشهر تقريبًا حتى انتهى حكمه.
ولم تنته متاعبه عند التنازل.
ففي سنة 2019 اعتزل الأنشطة الرسمية، ثم أعلن ابنه فيليبي السادس سنة 2020 التخلي عن حقوق مالية محتملة مرتبطة بإرث والده، ووقف المخصصات المالية التي كان يتلقاها الملك السابق.
وفي غشت 2020، قرر خوان كارلوس مغادرة إسبانيا، واستقر في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وسط استمرار الجدل بشأن حياته الخاصة وتحويلاته المالية.
صحيح أنه لم يُنفَ بحكم قضائي، وأنه عاد لاحقًا في زيارات متفرقة إلى إسبانيا، لكن الصورة كانت واضحة: ملك سابق تنازل عن عرشه، ثم اختار الإقامة بعيدًا عن البلاد التي حكمها نحو أربعة عقود.
وهكذا، فإن الملك الذي زار سبتة سنة 2007 وسط الأعلام والهتافات، انتهى به المطاف إلى التنازل عن العرش سنة 2014، ثم مغادرة إسبانيا سنة 2020.
◆ ثلاثة ملوك… ثلاث نهايات… وقاسم زمني مشترك
إذا جمعنا الوقائع التاريخية، سنجد أنفسنا أمام تسلسل مثير:
ألفونسو الثاني عشر زار سبتة سنة 1877، وتوفي بعد ثماني سنوات وخمسة أيام.
وألفونسو الثالث عشر زارها للمرة الأخيرة سنة 1927، وسقط حكمه بعد ثلاث سنوات ونصف تقريبًا.
وخوان كارلوس زارها ملكًا سنة 2007، وتنازل عن العرش بعد ست سنوات وسبعة أشهر.
ثلاثة ملوك، وثلاث نهايات مختلفة.
الأول أخذه المرض، والثاني أخذت الجمهورية عرشه، والثالث أثقلت سنواته الأخيرة أزمات وفضائح، فترك الحكم لابنه.
لا توجد علاقة سببية مثبتة بين زيارة سبتة وهذه المصائر، ولا أدعي وجودها. لكنني أرى أن اجتماع هذه الوقائع في سجل تاريخي واحد يستحق أن يُروى، وأن يتحول إلى مناسبة للتأمل في مفارقات السلطة والعرش والتاريخ.
◆ فيليبي السادس… الملك الرابع يدخل سجل الزيارات لكن التاريخ لم يكتب بقية الحكاية
ها هو الملك الإسباني فيليبي السادس يعيد فتح هذا السجل بزيارته سبتة يوم 13 أكتوبر 2026، رفقة الملكة ليتيثيا، قبل زيارتهما مليلية في اليوم التالي.
جاءت الزيارة بعد نحو تسعة عشر عامًا من زيارة والده خوان كارلوس، وفي سياق توتر سياسي وإنساني مرتبط بأزمة الهجرة، واستمرار الخلاف التاريخي حول المدينتين.
ومن خلال مراسم الاستقبال والخطاب الرسمي الإسباني، بدا واضحًا أن الزيارة تحمل رسالة سياسية تتجاوز المجاملة والبروتوكول.
ومن موقعي ككاتب مغربي، أرى أن تكرار الزيارات الملكية لا يمكن أن يحسم وحده الخلاف حول السيادة على سبتة ومليلية، كما أن كثرة الأعلام والاحتفالات لا تعوض الحوار التاريخي والقانوني والدبلوماسي.
وإذا كانت إسبانيا تتمسك بموقفها من سيادتها على المدينتين، فإن المغرب يتمسك بدوره بموقفه التاريخي، وهو خلاف لا تلغيه صورة ملك على شرفة، ولا زيارة رسمية، ولا استقبال جماهيري.
أما فيليبي السادس، فلا أحد يستطيع أن يعرف ما ستؤول إليه سنوات حكمه، ولا يجوز تحويل ما وقع لأسلافه إلى توقعات بشأن مستقبله.
لكن من حقنا أن نفتح دفاتر التاريخ، وأن نتساءل عن هذه المصادفة اللافتة التي جمعت ثلاثة ملوك من أسرة واحدة، زاروا المدينة نفسها، ثم انتهى حكمهم جميعًا خلال سنوات محدودة.
◆ الخلاصة… سبتة باقية والملوك عابرون
قد يموت ملك بمرض، وقد تسقط ملكية بثورة أو انتخابات، وقد يختار ملك التنازل عن عرشه هربًا من أزمات متراكمة أو رغبة في تجديد المؤسسة التي يقودها.
لكن المدن لا تموت بموت الملوك، ولا تختفي بتبدل الحكومات، ولا تنتهي ملفاتها التاريخية بانتهاء الزيارات.
لقد رحل ألفونسو الثاني عشر، وسقط عرش ألفونسو الثالث عشر، وتنازل خوان كارلوس الأول عن تاجه، ثم غادر بلاده وسط الجدل والفضائح.
وبقيت سبتة في مكانها، على الضفة الإفريقية من البحر الأبيض المتوسط، مدينة تحت الإدارة الإسبانية، ومحل مطالبة مغربية بالسيادة.
واليوم، يضيف فيليبي السادس اسمه إلى سجل الملوك الإسبان الذين زاروها.
ولا أتمنى له مرضًا ولا سقوطًا ولا فضيحة، ولا أستعجل كتابة مصير لم يكتبه التاريخ بعد.
وإنما أكتفي بتسجيل هذه المفارقة:
ثلاثة ملوك إسبان زاروا سبتة، ولم يُكمل أي منهم أكثر من ثماني سنوات وبضعة أيام على العرش بعد زيارته الأخيرة.
أما الملك الرابع، فقد زار المدينة، وما زال فوق العرش.
ولعل أهم ما ينبغي أن نتذكره ليس ما جرى للملوك بعد زيارة سبتة، بل ما لم يتغير رغم تعاقبهم: استمرار الخلاف التاريخي حول السيادة على المدينة.
فالملوك تتبدل أسماؤهم، والعروش يتغير شاغلوها، أما الجغرافيا فلا تتغير بزيارة، والتاريخ لا تُمحى صفحاته بمجرد رفع الأعلام.
رئيسية 








الرئيسية




