*بقلم: بوشعيب حمراوي*
من استرجاع طرفاية وسيدي إفني إلى المسيرة الخضراء ونهاية الوجود الإسباني في الصحراء… ملحمة ملكين وشعب من أجل الوحدة الترابية
لم يكن السادس عشر من أكتوبر سنة 1975 يوما عاديا في تاريخ المغرب، بل كان موعدا تاريخيا التقت فيه لغة القانون الدولي بإرادة ملك، والتحمت فيه الرؤية السياسية بوجدان شعب، لتولد واحدة من أبرز المبادرات السلمية في التاريخ المعاصر.
ففي ذلك اليوم، أعلنت محكمة العدل الدولية في لاهاي رأيها الاستشاري بشأن الصحراء، وأقرت بوجود روابط قانونية للولاء بين سلطان المغرب وبعض القبائل الصحراوية. وفي اليوم نفسه، خاطب الملك الراحل الحسن الثاني شعبه من مراكش، معلنا تنظيم المسيرة الخضراء.
وبعد واحد وخمسين عاما، تستحق هذه الصفحة قراءة تنصف ما سبقها من جهود ملكية ودبلوماسية، وما رافقها من تعبئة شعبية وتنظيمية، وما أعقبها من أحداث انتهت بإعلان إسبانيا إنهاء وجودها في الصحراء يوم 26 فبراير 1976.
◆ من محمد الخامس إلى الحسن الثاني… استمرارية المشروع الوطني
لم تبدأ المطالبة المغربية بالصحراء سنة 1975. فبعد انتهاء نظام الحماية سنة 1956، بقيت مناطق من الجنوب تحت السيطرة الإسبانية، وظل الملك محمد الخامس يؤكد أن استقلال المغرب لا يكتمل، في التصور الوطني، إلا باسترجاع باقي أراضيه.
وفي خطاب محاميد الغزلان يوم 25 فبراير 1958، جدد محمد الخامس العهد بمواصلة العمل من أجل استكمال الوحدة الترابية. ثم شهد يوم 15 أبريل من السنة نفسها استرجاع منطقة طرفاية.
وجاء الحسن الثاني ليواصل المسار ذاته؛ فبعد مفاوضات مع مدريد، وُقعت معاهدة فاس يوم 4 يناير 1969، وتُوجت باسترجاع سيدي إفني يوم 30 يونيو من السنة نفسها.
وهكذا سبقت المسيرة الخضراء محطتان أساسيتان: استرجاع طرفاية في عهد محمد الخامس، وسيدي إفني في عهد الحسن الثاني.
لقد كان استكمال الوحدة الترابية مشروعا متواصلا، اعتمد على المقاومة والعمل الدبلوماسي والتفاوض والتعبئة الوطنية، ولم يكن وليد قرار مفاجئ أو ظرفية عابرة.
◆ لاهاي… حين حضرت روابط البيعة أمام القضاء الدولي
عندما أعلنت إسبانيا سنة 1974 توجهها نحو تنظيم استفتاء بشأن مستقبل الصحراء، تحرك المغرب لإبراز الروابط التاريخية والقانونية التي استند إليها في المطالبة بالإقليم.
وفي 13 دجنبر 1974، طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من محكمة العدل الدولية النظر في وضع الصحراء عند بداية الاستعمار الإسباني، وطبيعة الروابط القانونية التي كانت تجمعها بالمغرب والكيان الموريتاني.
وجاء الجواب يوم 16 أكتوبر 1975.
فقد أقرت المحكمة بأن الصحراء لم تكن أرضا لا مالك لها، وأثبتت وجود روابط قانونية للولاء بين سلطان المغرب وبعض القبائل الصحراوية، فضلا عن روابط بالكيان الموريتاني.
صحيح أن المحكمة لم تعتبر تلك الأدلة كافية لإثبات السيادة الترابية المغربية على كامل الإقليم، وأكدت استمرار مبدأ تقرير المصير، لكنها اعترفت بروابط تاريخية وقانونية شكلت عنصرا مهما في المرافعة المغربية.
ومن الإنصاف الاعتراف بما حمله التحرك الدبلوماسي للملك الحسن الثاني من أهمية، حين جعل وثائق التاريخ وروابط البيعة موضوعا للنظر أمام أعلى هيئة قضائية دولية.
◆ 16 أكتوبر… حين تحولت المرافعة إلى مبادرة شعبية
في مساء اليوم نفسه، ألقى الحسن الثاني خطابا تاريخيا من مراكش، أعلن فيه تنظيم مسيرة سلمية تضم 350 ألف مغربي ومغربية.
وهنا تجلت إحدى أبرز صور الحنكة السياسية للملك الراحل.
فبدل الاكتفاء بالرأي الاستشاري أو الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسبانيا، اختار تعبئة الشعب في مبادرة سلمية ذات أبعاد سياسية ودبلوماسية ورمزية.
ولم يكن اختيار عدد 350 ألف مشارك اعتباطيا، بل ارتبط، وفق الرمزية التي استحضرها الحسن الثاني، بعدد الولادات السنوية بالمغرب آنذاك.
وكأن الوطن يعبئ مواليد سنة كاملة من أبنائه للمساهمة في استكمال وحدته الترابية.
والأكثر دلالة أن عدد المغاربة الذين تقدموا للتسجيل تجاوز بكثير العدد المحدد للمشاركة، ما كشف حجم الاستجابة الشعبية للنداء الملكي.
وضمت المسيرة 35 ألف امرأة، أي عشرة في المائة من المتطوعين، في تعبير عن انخراط المرأة المغربية إلى جانب الرجل في هذه الملحمة الوطنية.
لقد كان العدد محددا، لكن الحماس الشعبي والاستعداد للتضحية تجاوزا ذلك العدد بكثير.
◆ 70 ألف إطار مدني وعسكري… الوجه التنظيمي للمسيرة
لم تكن المسيرة مجرد 350 ألف متطوع ومتطوعة.
فقد جُند، وفق المعطيات التاريخية التي سبق أن أوردتها في تحقيق نشرته سنة 2017 بموقع «بديل بريس»، نحو 70 ألف إطار مدني وعسكري، للإشراف على مختلف متطلبات العملية.
وهكذا امتدت التعبئة إلى حوالي 420 ألف شخص بين متطوع ومؤطر.
وكانت الأطر المدنية والعسكرية تتولى الإشراف على النقل والتغذية والإيواء والماء والرعاية الصحية والأمن والتنظيم العام.
لقد كانت المسيرة عملية وطنية ضخمة تطلبت تخطيطا محكما وتنسيقا بين مؤسسات الدولة وإداراتها ومرافقها.
ومن الإنصاف الاعتراف بأن نجاحها لم يكن ثمرة الحماس الشعبي وحده، بل أيضا نتيجة جهود آلاف المسؤولين والموظفين والجنود والأطباء والممرضين والسائقين والتقنيين الذين اشتغلوا لإنجاح المبادرة.
◆ سلاح ثلاثي فتّاك… المصحف والعلم وصورة الملك
لم يحمل المتطوعون والمتطوعات بنادق ولا ذخيرة، بل كان سلاحهم ثلاثيا فتّاكا بقوة رمزيته وتأثيره السلمي: المصحف الكريم، والعلم الوطني، وصورة الملك الراحل الحسن الثاني، مبدع المسيرة وقائدها.
ثلاثة رموز اختزلت إيمان شعب، ووحدة وطن، والتحام أمة بملكها.
فالمصحف الكريم رمز للعقيدة والإيمان، والعلم الوطني عنوان للوحدة والسيادة والانتماء، وصورة الحسن الثاني تجسيد للثقة في الملك الذي أبدع المبادرة وقادها.
لقد كان سلاحا لا يقتل ولا يجرح، لكنه يخاطب الضمائر، ويهزم الخوف، ويحول السلمية إلى قوة سياسية وتاريخية.
وهنا تكمن خصوصية المسيرة الخضراء: ملك يقود بفكرة، وشعب يستجيب بإيمان، ووطن يوحد الجميع تحت راية واحدة.
◆ أحمد عصمان… القيادة الميدانية والتضامن الدولي
كانت القيادة السياسية والاستراتيجية للمسيرة بيد الحسن الثاني، أما قيادتها الميدانية فعُهد بها إلى الوزير الأول آنذاك أحمد عصمان.
ولم يقتصر التضامن مع المغرب على أبنائه؛ فقد وثقت في تحقيق سابق مشاركة متطوعين من تسع دول: تونس، والأردن، والكويت، والمملكة العربية السعودية، ولبنان، والسودان، والغابون، وسلطنة عمان، والولايات المتحدة الأمريكية.
واكتسب الحضور التونسي طابعا إنسانيا خاصا، إذ تشير المعطيات التي نشرتها سابقا إلى مشاركة فريق طبي تونسي ضم أربعة أطباء وأربعة عشر ممرضا.
لقد كانت هذه المشاركات تعبيرا عن تضامن تجاوز الحدود الجغرافية، وأعطى للمبادرة المغربية بعدا دوليا وإنسانيا.
◆ مجلس الأمن… ثم الانتقال من التعبئة إلى المفاوضات
في الخامس من نونبر 1975، أعطى الحسن الثاني تعليماته بانطلاق المسيرة في اليوم الموالي، ليكون السادس من نونبر موعدا لدخول المتطوعين الصحراء.
وكان مجلس الأمن قد أصدر القرارين 377 و379، داعيا إلى ضبط النفس ومواصلة المشاورات.
وبعد انطلاق المسيرة، اعتمد يوم السادس من نونبر القرار رقم 380، معبرا عن استيائه من تنظيمها، وداعيا المغرب إلى سحب المشاركين، والتعاون مع الأمم المتحدة. لكن الملحمة كانت قد فرضت اللاعودة.
غير أن أهمية التدبير الملكي تجلت أيضا في الانتقال من التعبئة إلى التفاوض.
ففي التاسع من نونبر، أصدر الحسن الثاني تعليماته بعودة المشاركين، بعدما اعتبر أن المسيرة حققت مقصدها السياسي والرمزي.
ثم تسارعت الأحداث:
◆ 14 نونبر 1975: توقيع إعلان مبادئ مدريد بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا، لتنظيم إنهاء الوجود الإسباني وإقامة إدارة مؤقتة للإقليم.
◆ 19 نونبر 1975: دخول إعلان مبادئ مدريد حيز التنفيذ.
◆ 26 فبراير 1976: إسبانيا تبلغ رسميا الأمم المتحدة بأنها أنهت وجودها في الصحراء، وتعتبر نفسها غير مسؤولة دوليا عن إدارة الإقليم.
وهكذا، لم تمر سوى أربعة أشهر وعشرة أيام بين خطاب الحسن الثاني يوم 16 أكتوبر 1975، وإعلان إسبانيا نهاية وجودها في الصحراء.
ورغم أن اتفاق مدريد لم يُعتبر، وفق التفسير القانوني للأمم المتحدة، ناقلا للسيادة الترابية، فإن نهاية الوجود الإسباني المباشر شكلت تحولا تاريخيا كبيرا في مسار القضية.
◆ 51 سنة بعد الخطاب… التاريخ ينصف الملك والشعب
إن ذكرى 16 أكتوبر ليست مناسبة للاحتفال وحده، بل فرصة لإنصاف مسار تاريخي قاده ملكان، وساهم في صنعه شعب.
فمحمد الخامس قاد مرحلة استرجاع طرفاية، والحسن الثاني واصل المسار باسترجاع سيدي إفني، ثم المرافعة أمام محكمة لاهاي وإطلاق المسيرة الخضراء وقيادة المفاوضات التي أعقبتها.
وكان الشعب المغربي حاضرا في مختلف هذه المحطات، مقاومة وتضحية وتعبئة واستجابة للمبادرات الوطنية.
لقد تحدثت محكمة لاهاي يوم 16 أكتوبر بلغة القانون، وتحدث الحسن الثاني من مراكش بلغة المبادرة، ثم تحدث الشعب المغربي يوم السادس من نونبر بلغة الحضور والوحدة.
وبين صوت المحكمة، وقرار الملك، وخطوات الشعب، وجهود عشرات الآلاف من الأطر المدنية والعسكرية، وُلدت ملحمة المسيرة الخضراء.
إنها صفحة تستحق أن تُروى للأجيال بكل تفاصيلها، وفاء لذكرى ملكين واصلا العمل لاستكمال الوحدة الترابية، وإنصافا لشعب جعل من التحامه بالعرش قوة وطنية حاضرة في اللحظات التاريخية الحاسمة.
فالمسيرة الخضراء لم تكن مجرد عبور نحو الصحراء، بل كانت تجسيدا لإرادة ملك وشعب، جمعت الإيمان والوطن والعرش في مبادرة سلمية خالدة.
رئيسية 








الرئيسية




