Quantcast
2026 أغسطس 22 - تم تعديله في [التاريخ]

"الرأسمال البشري في الرؤية الملكية: من بناء الإنسان إلى صناعة المستقبل"

"من الدولة الاجتماعية إلى التحول الرقمي ورهانات مغرب 2030"..


من بناء الإنسان إلى بناء المستقبل


*بقلم: الدكتورة حليمة السلامي*

لم تعد قوة الدول في عالم اليوم تقاس فقط بما تتوفر عليه من موارد طبيعية أو إمكانات مادية، وإنما أصبحت تقاس، بدرجة أكبر، بقدرتها على الاستثمار في الإنسان، وإنتاج المعرفة، وتكوين الكفاءات، وتحويل الطاقات البشرية إلى قوة اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية قادرة على صناعة المستقبل.

ومن هذه الزاوية، يكتسب مسار الإصلاح الذي عرفه المغرب خلال أكثر من ربع قرن دلالة خاصة، بالنظر إلى المكانة التي احتلها الإنسان في صلب المشروع التنموي الذي يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله.

فمنذ اعتلاء جلالته العرش، تبلورت تدريجيًا رؤية تجعل من التنمية البشرية أساسًا للإصلاح، ومن تحسين شروط عيش المواطن غاية للسياسات العمومية، ومن تأهيل الأجيال الصاعدة رهانًا استراتيجيًا لاستدامة المشروع الوطني. ولم يكن هذا التوجه منفصلًا عن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، بل جاء استجابة لحاجة متزايدة إلى الانتقال من تدبير مظاهر الهشاشة والإقصاء إلى بناء شروط الاندماج والتمكين والارتقاء الاجتماعي.

لقد أفرز هذا المسار أوراشًا وطنية كبرى، امتدت من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى إصلاح منظومة التربية والتكوين، ومن تطوير التكوين المهني إلى ورش تعميم الحماية الاجتماعية، مرورًا بتعزيز الاستثمار وتحسين البنيات التحتية ودعم التنمية المجالية. ورغم اختلاف مجالات هذه الأوراش، فإنها تلتقي عند فكرة مركزية مفادها أن التنمية الحقيقية لا تبدأ من الاقتصاد وحده، وإنما من الإنسان القادر على إنتاج الثروة والمشاركة في توزيعها والاستفادة منها.

غير أن التحولات التي يعرفها العالم تفرض اليوم الانتقال إلى مستوى جديد من هذه الرؤية؛ فالمطلوب لم يعد فقط أن نوفر للشباب شروط الإدماج، وإنما أن نمنحهم الأدوات التي تمكنهم من قيادة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية المقبلة.

الإنسان كخيار للدولة وليس مجرد موضوع للسياسات العمومية

من أهم التحولات التي طبعت مسار الإصلاح بالمغرب، الانتقال التدريجي من التعامل مع الإنسان باعتباره مستفيدًا من السياسات العمومية إلى اعتباره فاعلًا وشريكًا في التنمية. وهو تحول لا يرتبط فقط بتعدد البرامج والمبادرات، وإنما يعكس تغيرًا في فلسفة العمل العمومي ذاتها.

وقد وجد هذا التوجه امتداده في دستور 2011، الذي كرس منظومة متقدمة من الحقوق والحريات، وربط التنمية بمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، وأرسى قواعد الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما جعل من المرفق العمومي وسيلة لخدمة المواطن وتحسين جودة الخدمات، بما يجعل الاستثمار في الإنسان جزءًا من البناء المؤسسي للدولة، وليس مجرد خيار حكومي عابر.

وفي هذا الإطار، تكتسب المدرسة والجامعة والتكوين المهني أهمية تتجاوز وظائفها التقليدية. فالمدرسة لم تعد مطالبة فقط بتوفير المعرفة الأساسية، وإنما بإعداد مواطن يمتلك القدرة على التفكير النقدي والمبادرة والتكيف. والجامعة بدورها مطالبة بأن تنتقل من منطق تخريج حاملي الشهادات إلى إنتاج المعرفة والابتكار وربط البحث العلمي بحاجات المجتمع والاقتصاد. أما التكوين المهني، فقد أصبح أحد المفاتيح الأساسية لتأهيل الكفاءات التي يحتاجها الاقتصاد الوطني.

وتزداد أهمية هذا الرهان أمام التحول الذي يعرفه مفهوم العمل نفسه. فالمهن تتغير، والمهارات المطلوبة تتطور، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل عدد متزايد من القطاعات، بينما أصبحت الرقمنة جزءًا من مختلف مجالات الإنتاج والخدمات. ولذلك، فإن السياسات العمومية الموجهة للشباب مطالبة بأن تتجاوز المقاربة التقليدية للتشغيل، وأن تنتقل إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للمهارات.

وهنا يكمن أحد التحديات الأساسية أمام النموذج التنموي الجديد: كيف ننتقل من تكوين شباب يبحث عن فرصة إلى تكوين شباب قادر على خلق الفرص؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي إعادة التفكير في العلاقة بين التعليم والاقتصاد، وبين الجامعة والمقاولة، وبين التكوين والابتكار. كما تقتضي جعل البحث العلمي والتكنولوجي جزءًا من صميم السياسات التنموية، وليس قطاعًا موازيًا لها.

من سياسة التشغيل إلى سياسة صناعة الكفاءات

لقد أصبح من الواضح أن معالجة إشكالية التشغيل لا يمكن أن تتم فقط عبر إحداث مناصب شغل جديدة، مهما كان حجمها، وإنما تتطلب بناء اقتصاد قادر على إنتاج وظائف ذات قيمة مضافة، واستيعاب الكفاءات، وتحفيز المبادرة الفردية والجماعية.

ومن هنا، فإن الرهان على الشباب ينبغي أن ينتقل من منطق "إيجاد الشغل" إلى منطق "صناعة القابلية لإنتاج الشغل والثروة". وهذا التحول يفرض الاستثمار في المهارات الرقمية، واللغات، والعلوم والتكنولوجيا، وريادة الأعمال، والاقتصاد الأخضر، والصناعات الثقافية والإبداعية.

فالمغرب الذي يطمح إلى تعزيز موقعه ضمن سلاسل القيمة العالمية، وترسيخ مكانته كمنصة صناعية ولوجستية واستثمارية، يحتاج قبل كل شيء إلى كفاءات قادرة على مواكبة هذا الطموح. ولا يمكن جذب الاستثمارات النوعية واستدامتها من دون موارد بشرية مؤهلة تستطيع الاندماج في المهن الجديدة، وتطوير التكنولوجيا، وتحسين الإنتاجية.

ومن هنا، فإن الاستثمار في الشباب لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد البرامج الموجهة إليهم، وإنما بمدى قدرتها على إحداث تحول حقيقي في مساراتهم الاجتماعية والمهنية. فالمعيار الحقيقي لنجاح السياسة العمومية ليس عدد المستفيدين، بل حجم الأثر الذي تتركه في حياتهم وفي الاقتصاد الوطني.

كما أن تعزيز الثقة بين الشباب والمؤسسات يظل عنصرًا حاسمًا في هذا المسار. فالكفاءة تحتاج إلى فضاء يسمح لها بالتعبير والمبادرة، والمبادرة تحتاج إلى مؤسسات توفر التأطير والتمويل والمواكبة، والابتكار يحتاج إلى منظومة تكافئ المخاطرة المحسوبة وتفتح المجال أمام الأفكار الجديدة.

ومن ثم، فإن بناء مغرب المستقبل يقتضي أن يصبح الشباب جزءًا من الحلول، لا مجرد موضوع لها، وأن تتحول السياسات العمومية من سياسات موجهة إلى الشباب إلى سياسات مع الشباب.

التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: الرهان الجديد على الإنسان

لم يعد التحول الرقمي خيارًا تقنيًا، بل أصبح تحولًا عميقًا في الاقتصاد والمجتمع والدولة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، تتغير طبيعة الوظائف والمهارات، وتظهر مهن جديدة، بينما تختفي أو تتغير وظائف أخرى.

وهذا الواقع يضع المغرب أمام فرصة وتحدٍ في الوقت نفسه. فالفرصة تتمثل في امتلاك جيل شاب قادر على الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي، أما التحدي فيكمن في ضمان ألا يتحول التطور التكنولوجي إلى مصدر جديد للفوارق الاجتماعية والمجالية.

ومن هنا، فإن الاستثمار في الشباب ينبغي أن يواكب التحول التكنولوجي منذ المدرسة، عبر تطوير المهارات الرقمية، وتشجيع العلوم والرياضيات والهندسة، وتوسيع فضاءات الابتكار، وربط الجامعة بمختبرات البحث والمقاولات الناشئة.

كما أن الذكاء الاصطناعي يفرض إعادة النظر في مفهوم الكفاءة نفسه. فلم يعد المطلوب فقط امتلاك المعرفة، وإنما القدرة على توظيفها، وتحليل المعلومات، وحل المشكلات، والتعلم المستمر، والعمل في بيئات متعددة التخصصات.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة الرأسمال البشري المغربي. فالتحدي ليس في منافسة الآلة، وإنما في بناء إنسان قادر على توجيه التكنولوجيا وتسخيرها لخدمة التنمية، وتحويلها من مصدر للقلق بشأن المستقبل إلى أداة لصناعة مستقبل أفضل.

مغرب 2030... حين تتحول المشاريع الكبرى إلى اختبار للكفاءات

تمنح الاستحقاقات الدولية المقبلة، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030، المغرب فرصة استثنائية لتقديم صورة جديدة عن قدرته على التنظيم والابتكار والتدبير. غير أن أهمية هذا الموعد لا ينبغي أن تختزل في الملاعب والمنشآت والبنيات التحتية، مهما بلغت أهميتها.

فالرهان الأعمق هو أن يتحول هذا الورش الوطني إلى مدرسة للكفاءات، ومنصة لتطوير الخبرات، وفضاء لإبراز قدرات الشباب المغربي في التكنولوجيا والهندسة والتدبير والسياحة والاقتصاد الرقمي والصناعات الثقافية.

إن المغرب لا يحتاج فقط إلى بنية تحتية تستقبل العالم، وإنما إلى رأسمال بشري قادر على استقبال المستقبل.

وهنا تلتقي الاستحقاقات الكبرى مع الرؤية التنموية بعيدة المدى. فالمشاريع الكبرى ينبغي ألا تنتهي بانتهاء موعدها، بل أن تترك أثرًا مستدامًا في الاقتصاد، وفي سوق الشغل، وفي المعرفة، وفي تكوين الكفاءات.

ولذلك، فإن النجاح الحقيقي لن يكون فقط في تنظيم تظاهرة عالمية ناجحة، وإنما في قدرة المغرب على تحويل هذه الدينامية إلى فرصة لتسريع التحول الاقتصادي والاجتماعي، وفتح آفاق جديدة أمام أجياله الصاعدة.

الرهان الحقيقي هو الثقة في الإنسان

في نهاية المطاف، فإن مستقبل المغرب لن تحدده فقط المشاريع الكبرى، ولا حجم الاستثمارات، ولا سرعة التحول الرقمي، وإنما ستحدده القدرة على بناء الإنسان القادر على تحويل هذه الإمكانات إلى قيمة مضافة.

لقد أرسى المغرب خلال أكثر من ربع قرن أوراشًا مهمة في مجال التنمية البشرية والدولة الاجتماعية والبنيات الأساسية، غير أن المرحلة المقبلة تتطلب تعميق الاستثمار في الكفاءة والمعرفة والابتكار. وهذا يعني أن المدرسة والجامعة والتكوين والبحث العلمي والتشغيل لم تعد ملفات قطاعية منفصلة، بل أصبحت عناصر مترابطة في معادلة واحدة عنوانها بناء رأسمال بشري قادر على قيادة المستقبل.

ومن هنا، فإن الرهان على الشباب ليس رهانًا على فئة عمرية، وإنما رهان على مستقبل الدولة والمجتمع والاقتصاد. وكلما نجح المغرب في تحويل شبابه من مستفيد من التنمية إلى شريك في إنتاجها، ومن طالب للفرصة إلى صانع لها، ومن مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج لها، اقترب أكثر من بناء النموذج التنموي الذي يطمح إليه.

إن قوة المغرب المستقبلية لن تكون فقط فيما يبنيه، وإنما فيمن يبني، ومن يبتكر، ومن يقود، ومن يؤمن بأن المستقبل ليس قدرا ينتظرنا، بل مشروعا نصنعه اليوم.
 
الكاتبة حليمة السلامي دكتورة في العلوم السياسية والقانون العام وباحثة في السياسات العمومية

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار