Quantcast
2026 أغسطس 20 - تم تعديله في [التاريخ]

ثورة الملك والشعب.. محمد الخامس الذي حوّل عرشًا محاصرًا بالحماية إلى رمز لاستعادة السيادة

محمد الخامس.. من طفل لم يتم الثالثة من عمره عند فرض الحماية إلى سلطان واجه فرنسا ودفع ثمن موقفه نفيًا، ثم عاد ليقود المغرب نحو الاستقلال ويؤسس لعهد المملكة



*بقلم: بوشعيب حمراوي*

ليست ذكرى ثورة الملك والشعب، التي يستحضرها المغاربة في العشرين من غشت من كل سنة، مجرد محطة لاستعادة صور سلطان حملته سلطات الحماية الفرنسية وعائلته بعيدًا عن وطنه، ولا مجرد مناسبة لسرد أسماء المقاومين والشهداء وإعادة الحكاية المألوفة عن خروج المغاربة إلى الشوارع بعد نفي محمد الخامس، بل هي في تقديري مناسبة لإعادة قراءة قرن كامل تقريبًا من تاريخ الدولة المغربية، ولفهم كيف وجد المغرب نفسه في بداية القرن العشرين محاصرًا بالديون والأطماع الأوروبية والتدخل العسكري، وكيف احتفظ رغم ذلك بعرشه ومؤسساته وشخصيته القانونية، ثم كيف تحول السلطان الشاب محمد بن يوسف تدريجيًا من ملك مقيد بإكراهات نظام الحماية إلى مركز للشرعية الوطنية ورمز لوحدة المغاربة، قبل أن يدفع ثمن هذا التحول بالنفي يوم 20 غشت 1953.

والعودة إلى البداية ضرورية، لأن كثيرًا مما يقال اليوم عن تلك المرحلة يختلط فيه التاريخ بالشعارات، ويُحمَّل فيه أشخاص وزر أحداث وقعت قبل أن يكونوا قادرين حتى على فهمها؛ فمحمد الخامس، المولود يوم 10 غشت 1909، كان يوم توقيع معاهدة فاس في 30 مارس 1912 طفلًا لم يتم عامه الثالث بعد، كما أن والده مولاي يوسف لم يكن هو السلطان الذي وقّع معاهدة الحماية، بل تولى العرش في السنة نفسها بعد تنازل أخيه السلطان مولاي عبد الحفيظ؛ ومن ثَمَّ لا يستقيم تاريخيًا تحميل محمد الخامس أو والده مسؤولية إدخال المغرب تحت نظام الحماية، وإن كان من الضروري في المقابل ألا نسقط في التبسيط ونقول إن المؤسسة السلطانية لم تكن طرفًا إطلاقًا، لأن معاهدة فاس وُقعت باسم الدولة المغربية من طرف السلطان مولاي عبد الحفيظ تحت ضغط سياسي وعسكري ومالي شديد.

قبل الحماية… بدأ المغرب يفقد حرية قراره قبل أن يفقدها على الورق

لم يسقط المغرب تحت نظام الحماية فجأة في صباح 30 مارس 1912، ولم تستيقظ فرنسا ذات يوم فتقرر ببساطة وضع يدها على بلد قوي ومستقر ومستقل ماليًا وعسكريًا؛ بل كانت الحماية نهاية مسار طويل من إنهاك الدولة، بدأ خلال القرن التاسع عشر تحت ضغط الحروب والتعويضات المالية والتفاوت العسكري الهائل مع أوروبا، وتزايد مع ضعف الموارد وتنامي النفقات والصراعات الداخلية واشتداد المنافسة بين القوى الأوروبية على المغرب، إلى أن أصبحت الديون مدخلًا خطيرًا للتدخل في مالية الدولة، ثم في جماركها وأمنها، وصولًا إلى قرارها السياسي.

وفي سنة 1904 حصل المخزن على قرض ضخم بقيمة تقارب 62.5 مليون فرنك، ضُمنت أجزاء مهمة منه بمداخيل الجمارك، وتؤكد وزارة الاقتصاد والمالية المغربية نفسها في عرضها لتاريخ الميزانية أن القوى الأوروبية بدأت، تحت ذريعة خدمة الديون، تتدخل منذ تلك المرحلة في مالية البلاد، فيما تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن جزءًا كبيرًا من قرض 1904 ذهب أصلًا لتسديد التزامات سابقة ومصاريف الإصدار، بدل أن يتحول كله إلى موارد حقيقية لإنقاذ خزينة الدولة.

ثم جاءت سنة 1906 ومؤتمر الجزيرة الخضراء، فصار التدخل الأجنبي في الشرطة والجمارك والبنك أكثر تنظيمًا، وجاء احتلال وجدة وقصف الدار البيضاء سنة 1907، ثم أزمة أكادير سنة 1911، بينما كانت فرنسا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا تتفاوض في العواصم الأوروبية حول مستقبل المغرب ونفوذ كل واحدة منها أكثر مما كان المغرب نفسه قادرًا على فرض إرادته في تلك المفاوضات؛ إلى أن انتهى الأمر بمعاهدة فاس في 30 مارس 1912، ثم الاتفاق الفرنسي الإسباني في 27 نونبر من السنة نفسها الذي نظم مناطق النفوذ الإسباني في الشمال والجنوب.

المغرب يومها كان يشبه مؤسسة على حافة الإفلاس… لكن فرنسا لم تكن شريكًا خيريًا جاء لإنقاذها

وإذا أردنا تقريب الصورة إلى القارئ بلغة الاقتصاد المعاصر، مع التأكيد أن الدولة ليست شركة وأن تشبيه الدول بالمقاولات له حدوده، فيمكن تصور شركة كبيرة تراكمت عليها الديون ولم تعد قادرة على تمويل نشاطها أو الوفاء بالتزاماتها، فتجد أمامها احتمالات قاسية: الإفلاس والتصفية، أو بيع الأصول، أو دخول شريك يضخ التمويل مقابل امتلاك القرار أو جزء كبير منه، أو وضع المؤسسة تحت إدارة خارجية تضمن للدائنين أموالهم.

شيء قريب من ذلك حدث للمغرب من الناحية المالية والسياسية، ولكن مع فارق جوهري: فرنسا لم تكن مستثمرًا محايدًا جاء لإنقاذ دولة صديقة، بل قوة إمبريالية كانت تبحث منذ سنوات عن توسيع نفوذها في شمال إفريقيا. فشلت في غزو المغرب عسكريا، فاستعملت الأزمة المالية والعسكرية والدبلوماسية ضمن منظومة ضغط واسعة انتهت بفرض الحماية.

ولهذا فإن تفسير الحماية بالإفلاس المالي وحده سيكون ناقصًا، كما أن تفسيرها بالمؤامرة الخارجية وحدها سيكون ناقصًا أيضًا؛ فقد اجتمع ضعف الدولة الداخلي، وأزمة المالية، والتفوق العسكري الأوروبي، وانقسام المجال المغربي، والتنافس الدولي، والاتفاقات السرية بين القوى الكبرى، حتى أصبحت السيادة المغربية تتآكل خطوة بعد خطوة قبل أن تأتي معاهدة فاس لتضع اسمًا قانونيًا للوضع الجديد.

هل كان المغرب مستعمرة فرنسية؟ نعم للاستعمار بمعناه السياسي… لا للضم القانوني على الطريقة الجزائرية

وهنا نصل إلى مسألة أراها ضرورية جدًا لفهم ثورة الملك والشعب: الحماية شكل من أشكال الاستعمار، ولكنها ليست من الناحية القانونية والمؤسساتية هي نفسها الاستعمار القائم على الضم المباشر.

فمعاهدة فاس لم تلغ الدولة المغربية ولم تعلن المغرب إقليمًا فرنسيًا، بل أبقت السلطان والحكومة الشريفة ومؤسسات المخزن قائمة رسميًا، وجعلت فرنسا تمارس سلطات واسعة جدًا في الإدارة والأمن والدفاع والعلاقات الخارجية والإصلاحات، بينما كانت المراسيم تصدر باسم السلطان. وهذا يعني أن السيادة المغربية كانت مقيدة ومفرغة من أجزاء واسعة من مضمونها، لكنها لم تختف قانونيًا كما تختفي الدولة عند ضمها الكامل إلى دولة أخرى.

وهذا التفريق ليس لعبة ألفاظ، لأن الوثائق الأميركية نفسها، بعد استقلال المغرب، كانت تميز بوضوح بين المغرب وتونس من جهة والجزائر من جهة أخرى؛ ففي تقرير لمجلس الأمن القومي الأميركي سنة 1956 وُصفت الجزائر بأنها قانونيًا جزء من فرنسا، بينما كان المغرب وتونس دولتين خرجتا لتوهما من نظامي حماية.

ويمكن إضافة دليل قانوني بالغ الدلالة: ففي سنة 1952، أي والمغرب لا يزال تحت الحماية، نظرت محكمة العدل الدولية في قضية حقوق الرعايا الأميركيين بالمغرب، واستند النزاع إلى معاهدة مغربية أميركية تعود إلى سنة 1836 وإلى وثائق دولية خاصة بالمغرب؛ وهو ما يعكس استمرار شخصية قانونية مغربية والتزامات دولية سابقة على الحماية، رغم هيمنة فرنسا على القرار العملي.

لذلك فالصياغة الأدق ليست أن نقول إن المغرب لم يعرف استعمارًا، فهذا يجافي واقع القمع والاحتلال العسكري والسيطرة الاقتصادية والإدارية، وإنما أن نقول: المغرب خضع لاستعمار في صيغة نظام حماية، ولم يتحول قانونيًا إلى مقاطعة فرنسية كما حدث في الجزائر.

محمد الخامس… كيف يمكن لبلد تحت الحماية أن يتوج سلطانًا؟

في 17 نونبر 1927، وبعد وفاة مولاي يوسف، اعتلى سيدي محمد بن يوسف العرش، وكان يبلغ من العمر ثمانية عشر عامًا تقريبًا. وهنا يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن لدولة يقال إنها مستعمرة أن تتوج سلطانًا لها؟

الجواب ليس أن وجود السلطان وحده ينفي الاستعمار، لأن بعض الأنظمة الاستعمارية أبقت ملوكًا وأمراء محليين، وإنما أن طبيعة الحماية المغربية نفسها كانت تقوم على إبقاء السلطان والدولة المغربية إطارًا قانونيًا للحكم، بينما تمارس الإقامة العامة الفرنسية القسم الأكبر من السلطة الفعلية.

لقد احتاجت فرنسا إلى توقيع السلطان على الظهائر، واحتاجت إلى الشرعية الدينية والسياسية للعرش، لأنها أدركت أن إزالة المؤسسة الملكية كليًا قد تحول المغرب إلى انفجار دائم يصعب حكمه، ولذلك كان الصراع الكبير لاحقًا يدور حول سؤال شديد الأهمية: هل يبقى السلطان مجرد ختم توضع به الشرعية المغربية على القرارات الفرنسية، أم يتحول إلى صاحب مشروع وطني مستقل؟

وكان تاريخ محمد الخامس، في جوهره، هو انتقال طويل وصعب من الوضع الأول إلى الثاني.

الظهير المعروف بـ«الظهير البربري» محاولة التفرقة صنعت وعيًا وطنيًا مضادًا

في 16 ماي 1930 صدر الظهير الذي اشتهر في الذاكرة السياسية المغربية باسم «الظهير البربري»، وكان جزءًا من سياسة قضائية وإدارية دفعت بها سلطات الحماية في المناطق الأمازيغية، وأثار معارضة واسعة لأن الحركة الوطنية قرأته باعتباره محاولة للفصل بين المغاربة على أساس ثقافي وقانوني، وإبعاد مناطق أمازيغية عن القضاء الشرعي.

 رد الفعل على الظهير تحول إلى إحدى أهم لحظات ولادة الحركة الوطنية الحديثة، وانتشرت قراءة «اللطيف» والاحتجاجات في المدن، واتسع الوعي بأن قضية المغرب ليست قضية قبيلة أو منطقة أو لسان، وإنما قضية وطن ووحدة وسيادة.

ومن هنا بدأت العلاقة بين العرش والحركة الوطنية تتغير تدريجيًا، وبدأ السلطان الشاب يدرك أن قوته الحقيقية لن تأتي من الإقامة العامة التي تملك الجيش والإدارة، وإنما من شعب يرى فيه استمرارًا للدولة المغربية التي سبقت الحماية.

مؤتمر أنفا… محمد الخامس لم يكن عضوًا في غرفة الحرب لكنه جلس إلى كبار زعماء العالم بصفته سلطان المغرب

وتأتي سنة 1943 لتقدم واحدة من أكثر الصور دلالة في تاريخ المغرب الحديث.

فعندما انعقد مؤتمر أنفا ما بين 14 و24 يناير 1943 بحضور الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والقيادات الفرنسية الحرة، كان الهدف المركزي هو مناقشة الاستراتيجية العسكرية للحلفاء في الحرب العالمية الثانية. والسرد التاريخي الدقيق يقتضي ألا نقول إن محمد الخامس كان عضوًا في هيئة التخطيط العسكري للمؤتمر، لأنه لم يكن كذلك؛ لكنه التقى روزفلت، وحضر حضوره الرسمي بقوة إلى جانب ولي عهده حينها الحسن الثاني، بل إن أرشيف مكتبة روزفلت يحتفظ بصفحات من سجل المؤتمر عليها توقيع سلطان المغرب إلى جانب روزفلت وتشرشل وشخصيات الحلفاء، كما استضاف السلطان محمد الخامس روزفلت وتشرشل في مأدبة عشاء يوم 22 يناير.

وهنا تصبح الصورة أكثر قوة إذا عرضناها بدقة بدل المبالغة فيها: سلطان بلد خاضع للحماية الفرنسية يجالس سنة 1943 رئيس الولايات المتحدة ورئيس الحكومة البريطانية، ويتعاملان معه بوصفه سلطان المغرب وصاحب الشرعية التاريخية فيه.

لم يكن المغرب مستقلًا فعليًا، لكن المغرب أيضًا لم يكن قد اختفى من الخريطة السياسية.

وهذه إحدى الخصوصيات التي ستصبح لاحقًا سلاحًا مهمًا بيد محمد الخامس؛ لأن فرنسا تستطيع التحكم في الإدارة، لكنها لا تستطيع بسهولة إقناع المغاربة بأن المقيم العام أصبح صاحب الشرعية بدل السلطان.

11 يناير 1944…  اقترب العرش والحركة الوطنية من نقطة اللاعودة

بعد مؤتمر أنفا بعام واحد فقط، قُدمت في 11 يناير 1944 وثيقة المطالبة بالاستقلال، لتدخل العلاقة بين الحركة الوطنية ومحمد الخامس مرحلة أكثر وضوحًا، ويصبح مطلب الاستقلال تدريجيًا مركز الصراع بدل الاكتفاء بإصلاح نظام الحماية. ويسجل التسلسل التاريخي الرسمي المغربي تقديم الوثيقة في ذلك التاريخ باعتبارها محطة أساسية سبقت خطاب طنجة.

كانت فرنسا تريد سلطانًا يمارس وظائفه داخل الحدود المرسومة له من الإقامة العامة، بينما أخذ محمد الخامس يميل أكثر فأكثر إلى تمثيل الإرادة الوطنية الشعبية، وهنا بدأت المشكلة الحقيقية بالنسبة إلى سلطات الحماية: السلطان الذي كان يفترض أن يمنح النظام الاستعماري شرعيته، بدأ يتحول إلى مركز شرعية مناقض له.
 
مجزرة الدار البيضاء… الرصاص الذي أراد تعطيل طريق طنجة

ثم جاءت أحداث 7 أبريل 1947 بالدار البيضاء، المعروفة في الذاكرة الشعبية بـ«ضربة ساليغان»، عندما سقط عدد كبير من المغاربة برصاص القوات الاستعمارية، في ظرف شديد الحساسية يسبق الزيارة التاريخية لمحمد الخامس إلى طنجة. الأحداث الدموية وقعت يوم 7 أبريل، وزار محمد الخامس أسر الضحايا قبل أن يواصل مشروع رحلته إلى طنجة، وهي الرحلة التي أرادت فرنسا، وفق الذاكرة الوطنية المغربية، إفسادها أو على الأقل إضعاف تأثيرها. لكن الدم لم يوقف القطار السياسي.

دخل محمد الخامس طنجة في أبريل 1947، وكانت طنجة يومها منطقة دولية، وألقى خطابه التاريخي الذي رفع سقف المطالب الوطنية بصورة غير مسبوقة، وتحدث عن وحدة المغرب ومستقبله وعلاقاته بالمشرق والعالم العربي، ليدخل الصراع مع الحماية مرحلة جديدة.

وتورد المصادر المغربية تاريخ 9 أبريل للزيارة التاريخية، فيما يسجل التسلسل الزمني الرسمي خطاب السلطان يوم 10 أبريل 1947؛ ويمكن فهم الأمر باعتبار الزيارة امتدت على أكثر من يوم وتخللتها خطابات ومحطات مختلفة.

ومن طنجة خرج محمد الخامس مختلفًا في موقعه السياسي، وخرجت فرنسا أكثر اقتناعًا بأن الرجل الذي يجلس على العرش لم يعد مستعدًا لأن يكون مجرد شاهد على إدارة بلاده من طرف الآخرين.

الدار البيضاء مرة أخرى… دم المغاربة من أجل تونس يؤكد أن معركة التحرر كانت مغاربية

وفي دجنبر 1952، اندلعت بالدار البيضاء احتجاجات وإضرابات واسعة بعد اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد يوم 5 دجنبر، وواجهتها سلطات الحماية بعنف شديد يومي 7 و8 دجنبر.

وهذه المحطة مهمة جدًا لفهم ما سيحدث لاحقًا بين المغرب والجزائر، لأنها تؤكد أن الوعي التحرري المغربي لم يكن منغلقًا داخل الحدود؛ فمغاربة الدار البيضاء خرجوا غضبًا لاغتيال قائد نقابي تونسي، وبعد سنوات قليلة سيصبح التراب المغربي قاعدة خلفية مهمة للثورة الجزائرية.

كانت فكرة المغرب العربي المقاوم حقيقية يومها قبل أن تأتي الحدود والسياسات والخلافات اللاحقة لتصنع ما نعرفه اليوم.

20 غشت 1953… الخطأ الفرنسي الذي صنع ملحمة ثورة الملك والشعب

بلغ الصدام ذروته في صيف 1953. وتسجل المصادر المغربية أن المقيم العام قدم لمحمد الخامس يوم 13 غشت بروتوكولًا للتنازل عن العرش؛ وحين لم تخضع الإرادة الملكية، أقدمت سلطات الحماية يوم 20 غشت 1953 على نفي السلطان وأفراد أسرته، أولًا إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر، وتنصيب محمد بن عرفة مكانه.

هنا ارتكبت فرنسا خطأً استراتيجيًا كبيرًا. كانت تظن أنها أزاحت رجلًا فقط، فإذا بها تكتشف أنها أزاحت رمزًا من قصره لتضعه في قلوب ملايين المغاربة. بل إن هناك من بات يرى صورته في القمر... 

كانت تعتقد أن العرش كرسي يمكن نقل شخص منه وإجلاس شخص آخر عليه، لكنها اكتشفت أن الشرعية ليست أثاثًا إداريًا، وأن المغاربة الذين ربما اختلفوا في السياسة والمجتمع والقبيلة والحزب والمنطقة اتفقوا على شيء واحد: محمد بن يوسف هو السلطان الشرعي.

ومن هذه اللحظة اكتسبت عبارة «ثورة الملك والشعب» معناها العميق.

لم يعد الأمر حركة وطنية تطالب فرنسا بالإصلاح أو الاستقلال فقط، ولم يعد نزاعًا بين السلطان والمقيم العام؛ بل أصبح اعتداءً على رمز سيادة جماعية، ولذلك انفجرت المقاومة واتسع العمل الفدائي، وتحول اسم محمد الخامس إلى راية نضال، وفشلت محاولة فرض ابن عرفة سياسيًا وشعبيًا.

ومن المفارقات التاريخية أن فرنسا، وهي تنفي محمد الخامس لإضعافه، منحته بذلك أقوى شرعية عرفها منذ جلوسه على العرش.

من المدن إلى الجبال…  دخل جيش التحرير المعركة

وبعد أن اتسعت المقاومة داخل المدن، انتقل جزء من الكفاح إلى العمل المسلح المنظم في البوادي والجبال، لتأتي محطة 2 أكتوبر 1955 حين انطلقت عمليات واسعة لجيش التحرير في مناطق بورد وأكنول وتيزي وسلي ومناطق أخرى من شمال وشرق المغرب، في مواجهة مواقع القوات الفرنسية.

وتورد المصادر المرتبطة بتاريخ جيش التحرير أن الهجمات الأولى استهدفت عدة مراكز عسكرية فرنسية، وأن منطقة أكنول وبورد وتيزي وسلي أصبحت من أهم ميادين المواجهة.

ولم يكن اختيار الشمال والشرق بلا معنى؛ فالمجال المغربي نفسه كان يومها موزعًا بين منطقة خاضعة للحماية الفرنسية، ومنطقة شمالية خاضعة للحماية الإسبانية، بينما كانت طنجة ذات وضع دولي، وهو واقع خلق حدودًا إدارية وأمنية متعددة ومناطق تماس يمكن لشبكات المقاومة استغلال ضعف التنسيق بينها لنقل الأشخاص والسلاح والمعلومات.

كما أن قرب المنطقة من الجزائر منح معركة التحرير بعدًا مغاربيًا أكبر.

وهنا تظهر «دينا» و«النصر»… عندما كان السلاح بين المغربي والجزائري قبل أن تكون بينهما الحدود المغلقة

من الصفحات التي تستحق أن تدرس للأجيال اليوم قصة شحنات الأسلحة التي وصلت إلى منطقة الناظور والريف لدعم شبكات التحرير المغربية والجزائرية.

وتشير شهادات منشورة حول تاريخ جيش التحرير، اعتمادًا على مذكرات مؤرخين، إلى وصول أسلحة بواسطة الباخرتين «دينا» و«النصر» ثم «فخر البحار»، وإلى وجود اتفاق لتقاسم الأسلحة بين المقاومين المغاربة والجزائريين، وأن سلاح «دينا» وصل إلى رأس الماء في نهاية مارس 1955 وظل مخبأ في شواطئ كبدانة قبل توزيعه. كما تذكر المصادر أن ذخائر من باخرة «النصر» فُرغت ليلًا في المنطقة نفسها.

أما الرواية الصادرة عن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بمناسبة إقامة نصب تذكاري لـ«دينا»، فتشير بوضوح إلى أن حركة التحرير الجزائرية استفادت من ثلثي الأسلحة التي حملتها الباخرة، في تعبير عن التضامن بين حركات التحرر المغاربية.

وإذا اختلفت بعض الروايات في وصف الجهة التي رتبت أصل الشحنة أو في التفاصيل الدقيقة لمسارها، فإنها تلتقي في الحقيقة الأهم: المغاربة والجزائريون كانوا يومها يتقاسمون السلاح ضد عدو استعماري واحد.

قبل أن تصبح الحدود بين البلدين عنوانًا للخلاف، كانت ممرًا للمقاومين.

وقبل أن تصبح العلاقات الرسمية محكومة بالحسابات السياسية، كان رجال من البلدين يخاطرون بحياتهم من أجل نقل بندقية من شاطئ في كبدانة إلى مقاتل في المغرب أو الجزائر.

الجزائر كانت مستعمرة مختلفة…  قادة المقاومة الجزائرية كانوا مقيمين بشمال المغرب 

وهنا أرى أن من الضروري تصحيح فكرة شائعة أخرى حتى تكون المقالة أقوى تاريخيًا.

يمكن القول إن الوضع القانوني للجزائر تحت فرنسا كان مختلفًا جذريًا عن وضع المغرب؛ ففرنسا تعاملت مع الجزائر باعتبارها جزءًا منها، بينما أبقى نظام الحماية في المغرب على السلطان والدولة المغربية اسميًا وقانونيًا.

وبينما كانت مقاومة المغرب في الداخل ، كانت مقاومة الجزائر تتغذى   سياسيا وماليا وتسلحا من قادتها بالمغرب. 

المقاومة الجزائرية خاضت حربها الأساسية داخل الجزائر، وسقط مقاتلو جيش التحرير الوطني داخل جبالها ومدنها وقراها، لكنها احتاجت دائما إلى قواعد خلفية في المغرب وتونس، وإلى شبكات سياسية ولوجستية خارجية في القاهرة وغيرها.

وتؤكد وثائق مجلس الأمن القومي الأميركي لسنة 1956 أن المغرب وتونس كانا ملاذين للمقاتلين الجزائريين ومصدرين للسلاح ومختلف أشكال الدعم، وأن السلاح كان يصل كذلك عبر مصر و الشرق عموما.

إذن فالفارق الحقيقي بين المغرب والجزائر ليس مكان وجود المقاومة، بل طبيعة النظام الاستعماري نفسه.

في المغرب كان هناك عرش مغربي ومؤسسات دولة بقيت قائمة تحت الوصاية، واستطاع محمد الخامس تحويل هذه الشرعية المحاصرة إلى رافعة للاستقلال.

أما الجزائر فكانت فرنسا قد ذهبت بعيدًا في دمجها قانونيًا وإداريًا داخل الدولة الفرنسية، ولذلك كان على الثورة الجزائرية أن تنشئ بنفسها سلطة تحرير مقابلة للسلطة الفرنسية، وأن تستفيد من الجوار المغربي والتونسي لبناء قواعدها الخلفية.

عاقبت الفيفا المغرب لأنه لعب من أجل الجزائر

من الصفحات التي تكاد تختصر وحدها حجم الدعم المغربي للثورة الجزائرية أن المغرب، الذي كان قد استعاد استقلاله حديثًا، قبل أن يدفع ثمنًا رياضيًا من أجل منح القضية الجزائرية حضورًا دوليًا؛ ففي 9 ماي 1958 بتونس واجه المنتخب المغربي فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري، الذي كان يضم عددًا من أبرز اللاعبين الجزائريين المحترفين في فرنسا ممن تركوا أنديتهم والتحقوا بالثورة، في وقت كانت فيه الجزائر لا تزال تحت الاستعمار الفرنسي ولم تكن دولة مستقلة ولا تملك منتخبًا وطنيًا معترفًا به من الاتحاد الدولي لكرة القدم. وكانت الفيفا قد حذرت المغرب وتونس مسبقًا من خوض المباراة تحت طائلة العقوبات، بعد ضغوط مارستها الجامعة الفرنسية لكرة القدم لمنع فريق جبهة التحرير من الحصول على أي اعتراف دولي، لكن المغرب اختار أن يلعب، وانتهت المواجهة بفوز الفريق الجزائري بهدفين مقابل هدف.

ولم يكن ثمن ذلك الموقف رمزيًا؛ إذ عاقبت الفيفا الكرة المغربية بالحرمان من المباريات والمسابقات الدولية لمدة سنتين. ثم خفضت العقوبة إلى سنة، كما تشير دراسة أكاديمية حول فريق جبهة التحرير إلى أن الاتحاد الدولي رفض آنذاك طلب انضمام المغرب إليه وحرمه من المنافسة الدولية لمدة عام، وهو ما حرم المنتخب المغربي كذلك من فرصة المشاركة في كأس إفريقيا للأمم 1959 بمصر. كما أن الملك محمد الخامس، بعدما أُبلغ بأن المغرب قد يتعرض للعقوبة بسبب اللعب أمام منتخب الثورة الجزائرية، لم يتراجع عن الموقف، بل نُسب إليه قوله بمعنى أن الفيفا إن لم تكتف بعقوبة السنتين فلتجعلها أربع سنوات إن كان الأمر من أجل الجزائر.

والأكثر دلالة أن العقوبة لم تغير الموقف المغربي؛ فقد استقبل المغرب فريق جبهة التحرير الوطني الجزائري من جديد في نونبر 1958، ونظمت له مباريات في مدن مغربية لجمع الأموال والتعريف بالقضية الجزائرية، وحضر محمد الخامس بنفسه إحدى مباريات الفريق بمدينة الدار البيضاء. وهكذا لم يكن المغرب يقول للجزائريين بالكلمات فقط إن استقلالهم قضية مغربية أيضًا، بل خسر عامًا كاملًا من حضوره الكروي الدولي وقَبِل بتأخير مساره داخل المؤسسات الرياضية العالمية من أجل أن يلعب فريق شعب لم تكن له بعد دولة مستقلة ولا علم مرفوع رسميًا في الفيفا.

نُفي السلطان… وعاد منتصرًا ثم أصبح ملكًا

نُفي محمد الخامس يوم 20 غشت 1953 وهو سلطان، وعاد إلى المغرب يوم 16 نونبر 1955 سلطانًا منتصرًا، وسط استقبال شعبي هائل؛ وبعد استعادة الاستقلال وتثبيت السيادة المغربية، اتخذ سنة 1957 لقب الملك بدل السلطان، ليصبح محمد الخامس أول من حمل رسميًا لقب ملك المغرب في العهد الحديث.

لكن إذا أخذنا العبارة بمعناها السياسي العميق، فيمكن القول بالفعل إنه نُفي سلطانًا وعاد ليصنع المملكة؛ لأن محمد بن يوسف الذي أخذته فرنسا قسرًا من قصره سنة 1953 لم يعد الرجل نفسه الذي استقبلته الجماهير سنة 1955.

كان قد تحول في المنفى من سلطان تحاصره الحماية إلى رمز فوق الأحزاب والتيارات والقبائل والمناطق.

وأصبحت عودته تعني أن مشروع ابن عرفة انتهى، وأن فرنسا لم تعد قادرة على صياغة المستقبل المغربي دون محمد الخامس.

ثم جاءت المفاوضات وإنهاء الحماية الفرنسية في 2 مارس 1956، وتلتها تسوية وضع المنطقة الإسبانية، لتبدأ مرحلة استعادة السيادة وبناء مؤسسات الدولة المستقلة.

محمد الخامس لم يستقل بالمغرب ثم يغلق الباب… بل فتح أرضه للثورة الجزائرية

وهذه نقطة لا ينبغي أن تغيب عن الذاكرة المغاربية.بعد حصول المغرب على استقلاله، لم يقل محمد الخامس إن معركته انتهت وإن الجزائر شأن أجنبي.

بل تحول المغرب إلى قاعدة خلفية أساسية للثورة الجزائرية، وقدمت أراضيه فضاءً للمقاتلين والتدريب والعبور والإمداد، واستمر الدعم السياسي والمادي للثورة.

وتكشف وثائق الخارجية الأميركية أن فرنسا كانت شديدة القلق من دعم المغرب وتونس لجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وأن المقاتلين الجزائريين كانوا يعتمدون بدرجة كبيرة على الأراضي المغربية والتونسية كملاذ خلفي، كما تشير وثائق أخرى إلى أن المغرب كان يقدم الأسلحة والأشكال المختلفة من الدعم.

وكان محمد الخامس يرى أن استقلال المغرب لن يكتمل أخلاقيًا ومغاربيًا وفرنسا تخوض حربًا في الجزائر المجاورة؛ وتكشف وثائق دبلوماسية أميركية لاحقة أنه كان يدافع عن حق الجزائريين في تقرير مصيرهم ويرى أن استقلال الجزائر سيعيد الاستقرار إلى المنطقة.

ذلك هو التاريخ الذي يستحق أن يتذكره المغاربة والجزائريون معًا.

من محمد الخامس إلى الحسن الثاني ومحمد السادس… الدولة التي خرجت من الحماية لم تتوقف عن البحث عن استكمال سيادتها

ولم تنته بصمة المؤسسة الملكية بانتهاء عهد الحماية؛ فقد بدأ محمد الخامس بعد الاستقلال ورش بناء الدولة واستعادة ما تبقى من أجزاء التراب الخاضعة للسيطرة الأجنبية، واسترجع المغرب طرفاية سنة 1958، ثم واصل الحسن الثاني مسار استكمال الوحدة الترابية باسترجاع سيدي إفني سنة 1969 وتنظيم المسيرة الخضراء سنة 1975، قبل أن تنتقل المملكة في عهد محمد السادس إلى مرحلة أخرى أصبح فيها الدفاع عن المصالح والسيادة والوحدة الترابية يجري أساسًا عبر الدبلوماسية والاقتصاد والاستثمار وبناء التحالفات.

ومن هنا فإن قراءة تاريخ الملوك والسلاطين المغاربة لا ينبغي أن تتحول إلى سرد لسيرة أفراد، بل إلى قراءة في استمرار الدولة؛ دولة تعرضت في لحظة من لحظات ضعفها لابتزاز الديون والضغط العسكري والمنافسة الإمبريالية، وفقدت جزءًا كبيرًا من قرارها، لكنها لم تفقد مؤسساتها كلها ولم ينقطع خيط شرعيتها، ثم استطاعت أن تستعيد سيادتها بالتقاء إرادة السلطان بالحركة الوطنية والمقاومة المسلحة والشعب.

ثورة الملك والشعب… ليست قصة ملك وحده ولا قصة شعب وحده

ولهذا كانت تسمية «ثورة الملك والشعب» شديدة الدلالة.

لو كان الملك وحده قادرًا على تحرير البلاد لما دام نظام الحماية أربعة وأربعين عامًا.

ولو كان الشعب وحده بلا رمز يجمع شرعيته التاريخية، لربما تمكن الاستعمار من تشتيت المقاومة بين أحزاب ومناطق وقبائل واتجاهات.

كانت القوة في الالتقاء. محمد الخامس احتاج إلى شعب يقول لفرنسا إن السلطان المنفي هو سلطانه، والشعب احتاج إلى سلطان يرفض أن يمنح الاحتلال الشرعية التي يبحث عنها.

والمقاوم احتاج إلى السياسي، والسياسي احتاج إلى جيش التحرير، وجيش التحرير احتاج إلى شبكات السلاح في الشمال، والمغرب احتاج إلى التضامن  مع أشقائه في تونس والجزائر، كما احتاج الجزائريون لاحقًا إلى الأرض المغربية والسلاح المغربي والملاجئ والمعسكرات والطرق التي أوصلت الثورة إلى حدود الجزائر. تلك هي الصورة الأكبر التي تضيع عندما نحول التاريخ إلى مجموعة تواريخ محفوظة.

فرنسا استطاعت أن تنفي السلطان ولم تستطع أن تنفي الدولة من وجدان شعبها

في الذكرى الثالثة والسبعين لثورة الملك والشعب، أعتقد أننا أحوج ما نكون إلى قراءة التاريخ بعيدًا عن التبسيط.

المغرب لم يدخل الحماية لأن محمد الخامس فرط فيه؛ كان محمد الخامس طفلًا لم يتم الثالثة. ووالده مولاي يوسف لم يوقع معاهدة فاس؛ تولى العرش بعد توقيعها.

لكن المغرب أيضًا لم يسقط بسبب عامل واحد، بل بسبب تراكم خطير للديون والضعف المالي والعسكري والانقسامات الداخلية والتدخلات الأوروبية والمساومات الدولية، إلى أن وجد نفسه في وضع لم يعد يملك فيه كامل حرية القرار.

والحماية لم تكن استقلالًا ناقصًا بريئًا؛ كانت شكلًا من أشكال السيطرة الاستعمارية القاسية.

لكنها أيضًا لم تكن ضمًا قانونيًا كاملًا للمغرب إلى فرنسا على النموذج الجزائري؛ فقد بقي السلطان، وبقي المخزن، وبقيت المعاهدات المغربية، وبقي اسم الدولة المغربية، وبقيت شرعية كان الاستعمار نفسه مضطرًا إلى استعمالها.

وكان الخطأ التاريخي الأكبر لفرنسا أنها اعتقدت أن بإمكانها أخذ تلك الشرعية من محمد الخامس ومنحها بقرار إداري لشخص آخر.

يوم 20 غشت 1953 اكتشفت متأخرة أن العرش لم يعد مجرد مؤسسة داخل نظام الحماية، وإنما أصبح جزءًا من حركة التحرر نفسها.

نفت فرنسا السلطان، فخرج الشعب من أجله. حاولت أن تصنع سلطانًا بديلًا، فرفضه الشارع. ضيقت على الوطنيين، فانتقلت المقاومة إلى العمل الفدائي. وحاصرت المدن، فاشتعلت الجبال. ومنع الاستعمار السلاح، فجاءت «دينا» و«النصر» ليلًا إلى شواطئ الشمال.

وحاول أن يعزل المغرب عن محيطه، فإذا بالمغاربة يقاتلون من أجل استقلالهم ويمدون الثورة الجزائرية بما يستطيعون.

ثم عاد محمد الخامس يوم 16 نونبر 1955.

عاد سلطانًا لم يعد محتاجًا إلى اعتراف الإقامة العامة بشرعيته، لأن شعبًا كاملًا كان قد جدد له البيعة في غيابه. وبعد أقل من عام خرج المغرب من الحماية، وبعد ذلك أصبح السلطان ملكًا، وتحول الاسم الرسمي للدولة إلى المملكة المغربية.

ومن هنا فإن ثورة الملك والشعب ليست فقط ذكرى لنفي محمد الخامس، بل هي قصة دولة كادت الديون والتدخلات الأجنبية أن تسلبها قرارها، وقصة مؤسسة ملكية انتقلت من العمل داخل قيود الحماية إلى الانحياز الصريح لمطلب الاستقلال، وقصة شعب أدرك أن تحرير الأرض لا ينفصل عن حماية رمز السيادة، وقصة مغرب لم يعتبر استقلاله نهاية للمعركة ما دام أشقاؤه في الجزائر لا يزالون يقاتلون فرنسا.

والدرس الذي يجب أن يبقى بعد ثلاثة وسبعين عامًا ليس أن نتغنى بالماضي فقط، وإنما أن نفهمه.

فالدول قد تبدأ بخسارة استقلالها عندما تفقد استقلال قرارها المالي، وقد يدخل الأجنبي من باب الديون قبل أن يدخل من باب الثكنات، وقد تكون المعاهدة آخر حلقة في مسلسل طويل بدأ قبلها بسنوات؛ وفي المقابل، تستطيع الشعوب أن تستعيد ما فقدته حين تتوحد مؤسسات الدولة وإرادة المجتمع حول مشروع وطني واضح.

وهذا تحديدًا ما يمنح يوم 20 غشت معناه الذي يتجاوز الاحتفال السنوي.

لقد أرادت سلطات الحماية أن تجعل نفي محمد الخامس نهاية سلطان، فجعل منه المغاربة بداية للثورة؛ وأرادت فصل العرش عن الشعب، فصنعت من حيث لا تدري واحدة من أقوى لحظات التحامهما؛ ونفت سلطانًا إلى جزيرة بعيدة، فعاد بعد عامين ليقود دولة في طريقها إلى الاستقلال، ثم أصبح أول ملك للمغرب الحديث.

وتلك، قبل أي شيء آخر، هي ثورة الملك والشعب.


              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار